الجزائر

عندما يبكي الإبراهيمي!

الشروق أونلاين
  • 2284
  • 0

من المقاطع التلفزيّة التي شدّت انتباه الجزائريين في الظهور الإعلامي الأخير للدبلوماسي الأخضر الإبراهيمي، وهو يتقمّص دور وسيط سياسي غير معلن في الأزمة القائمة، ذلك المشهد الذي بدا فيه الرجل متأثرا بالوضع العام إلى درجة البكاء، إذ لم يُغالب الشيخ الثمانينيّ دموعه في الجريان، وهو يستحضر صورة الطفل الذي رآه يصرخ في وجه مسؤولي البلاد بالرحيل الفوري.
وبذلك أقرّ الإبراهيمي بحرقة أنّ هذا الصغير (12 عاما) هو في عمر أحفاده، وعندما يعبّر بكلّ براءة عن حلمه في بلوغ جزائر مختلفة، فإن مسؤولية بنائها تقع على عاتق الأجداد، أي أنّ لخضر المجاهد الذي حضر مؤتمر باندونغ في 18 أفريل 1955، باسم جبهة التحرير الوطني، رفقة المرحومين: محمد يزيد وحسين آيت أحمد، وكذا الشاذلي مكي، إلى جانب محمد الصديق بن يحيى، يعترف أنّ جيل الثورة تأخر كثيرا في تسليم المشعل للأجيال حتّى تُستكمل المسيرة الوطنيّة التي انطلقت بحرب التحرير والاستقلال السياسي، حتّى لا نقول إنه فشل في معركة التعمير، لأنّ التاريخ يفرض تقاسم المسؤولية بين الأجيال وفق رهانات كلّ مرحلة وتحدياتها.
قبل 31 عامًا، خرج الشباب الجزائري المولود أثناء ثورة 54 وبعدها، رافضًا الاستمرار في الحكم الأحادي باسم الشرعيّة التاريخيّة، ليقرّر أنّ عهد الجيل التأسيسي للدولة الوطنية قد انتهى، وحان دوره في تحمّل المسؤوليّة لنقل الجزائر إلى زمن ما بعد الحرب الباردة، لكن السلطة احتوت أحداث أكتوبر 88 بإصلاحات مغشوشة سرعان ما انقلبت عليها، لتعود بالبلاد إلى أوضاع أسوأ مما كانت عليه، وظلّت ماسكة بزمام الأمور طيلة ثلاثة عقود من الانفتاح، بفعل تصحير الساحة السياسية والمجتمعيّة ودفع المواطنين إلى اليأس والاستقالة من الشأن العام.
ويوم هبّت رياح “الربيع العربي”، سارعت السلطة مرة أخرى للانحناء أمام العاصفة، فوعد الرئيس الجزائريين بجمهورية جديدة في خطاب 15 أفريل 2011، ثمّ أوهم الجميع بالرغبة في الترجّل من سطيف يوم 08 ماي 2012 بعبارته الشهيرة “جيلي طابو جنانو”، ولكنّ الرئيس قضى عهدة رابعة على كرسيِّه المتحرّك.
ظلّ الجزائريون صابرين على حالهم، برغم كلّ الشحن الداخلي والخارجي، أملاً في أن تهتدي سلطة القرار إلى مخرج يجنّب البلاد التوتر والاحتقان وربمّا الانزلاق نحو الفوضى، لكنّ حسابات “الجماعة” تعقّدت بمرور الوقت، لأن الإرادة لم تتوفّر إطلاقا في تسليم المشعل بعد أداء الأمانة الثقيلة، بل تركّز تفكيرُها وتدافعها في توريث الحكم لمن يخدمها ويحفظ مصالحها ويؤمّن مستقبلها، بعيدا عن تطلعات الشعب وطموحاته في تدشين عهد جديد لجزائر القرن الـ21.
في صيف 1962 تنازع “الإخوة الفرقاء” على السلطة الناشئة، فخرج الجزائريون يهتفون “سبع سنين بركات”، واليوم كأنّ شعارات التاريخ تُعيد نفسها، فقد تحمّل الشعب سبع سنوات منذ 2012، ينتظر أن تُلهم التحولاتُ الإقليميّة الحكّامَ رُشدَهم، حتى إذا يئس من رحيلهم الطوعي، تدفّق بالملايين إلى الشوارع يطالبهم بالتنحّي الفوري.
وعليه، فقد سجّل الواقع بكل مرارة أنّ جيل الثورة المجيدة، بكلّ ما له من أفضال على الأجيال اللاحقة، فشل فشلاً ذريعًا في التأسيس لنظام ديمقراطي، يضمن الانتقال السلس والهادئ للسلطة، بعد 57 سنة كاملة من استرجاع السيادة.
إنه موقفٌ مؤسف، ترجمته دموع الإبراهيمي، لم نكن نتمنّاه لجيل كبُرنا على تقديسه، ونراه اليوم يسرق أحلامنا في المستقبل، فهل يقتنص الفرصة الأخيرة في التكفير عن ذنبه الكبير؟

مقالات ذات صلة