عندما يتحول الاحتفال بالانتصار إلى رسالة مشفرة
في الرياضة لا تنتهي قصة التتويج والنجاح عند نهاية المنافسة، فبعد كل نتيجة إيجابية وبعد كل تتويج يحرص الرياضيون، على التعبير عن فرحتهم بطقوس خاصة وإشارات تحمل في طياتها رسائل مشفرة ذات أبعاد مختلفة، فهذا لاعب يضع إصبعه على فمه، وآخر يرفع يديه إلى السماء، وثالث يرسم حرفًا بأصابعه، بينما يضع أحدهم يده على قلبه أو يرسل قبلة نحو المدرجات أو غيرها من الإشارات التي قد تبدو عفوية، لكنها في كثير من الأحيان تحمل رسالة أو ذكرى أو إهداءً لشخص ما، وأحيانًا تكون مجرد احتفال خاص اعتاد اللاعب القيام به من باب التقليد.
لم يكن جمال سجاتي بحاجة إلى كثير من الكلام بعد تتويجه مساء الأحد، بذهبية سباق 800 متر في بطولة العالم للنخبة بالعاصمة المجرية بودابست، فبعد عبوره خط النهاية متوجًا بالمركز الأول، اختار العداء الجزائري أن يحتفل بإشارة السبابة الموضوعة على الفم، في حركة تُفهم عادة على أنها رسالة “اسكتوا”، الإشارة سرعان ما لفتت الأنظار، فما فعله سجاتي يعيد إلى الواجهة ظاهرة قديمة متجدد يوميا في عالم الرياضة، وهي الاحتفال الذي يتحول إلى رسالة مشفرة، فاللاعب أو الرياضي لا يحتفل دائمًا بالانتصار لمجرد التعبير عن فرحته، بل قد يستغل الثواني التي تلي الإنجاز ليوجه رسالة إلى منتقديه، أو يهدي نجاحه إلى محبيه، أو يعبر عن معتقداته، أو يخلد ذكرى شخص فقده أو غير ذلك من الإيحاءات التي أرداها صاحب تلك الإشارة.
ففي كرة القدم تحديدًا، أصبحت احتفالات الأهداف جزءًا من ثقافة اللعبة، حتى إن بعض الإشارات باتت مرتبطة بأسماء أصحابها أكثر من ارتباطها بالهدف نفسه، ومن أشهر هذه الإشارات وضع السبابة على الفم، وهي حركة اكتسبت شهرة عالمية وأصبحت تعني في كثير من الحالات “الصمت” أو “دعوا الأفعال تتحدث”، وقد لجأ إليها نجوم كبار في مناسبات مختلفة، من بينهم كريستيانو رونالدو وماريو بالوتيلي وكيليان مبابي وغيرهم، خصوصًا عندما يكون اللاعب قد دخل المباراة تحت ضغط أو تعرض لانتقادات سابقة، وفي مثل هذه الحالات يصبح الهدف بمثابة الرد الأول، بينما تأتي الإشارة لتؤكد الرسالة، ولعل جاذبية هذه الحركة تكمن في بساطتها، فلا يحتاج اللاعب إلى قول “لقد أخطأتم بحقي” أو “شككتم في قدراتي”، بل يكفي أن يضع إصبعه على فمه، وكأنما يقول للجميع” لقد تكلمتم كثيرًا، والآن دعوا النتيجة تتحدث”.
غير أن لغة الاحتفالات لا تقتصر على الرد على المنتقدين، فكثير من اللاعبين يحولون لحظة تسجيل الهدف إلى رسالة حب أو وفاء، فرفع الإصبع إلى السماء، مثلًا، من أكثر المشاهد تكرارًا في الملاعب، وقد استخدمها نجوم كثيرون للتعبير عن الشكر لله أو لإهداء الهدف إلى شخص عزيز، وفي بعض الحالات تخليد ذكرى شخص رحل عن الحياة، ولذلك لا يمكن منح هذه الحركة معنى واحدًا ثابتًا، فدلالتها الحقيقية ترتبط بقصة اللاعب نفسه، أما رسم القلب باليدين، فقد أصبح من أكثر الاحتفالات وضوحًا وانتشارًا، وغالبًا ما يكون تعبيرًا عن الحب للعائلة أو شريك الحياة أو الأبناء، وأحيانًا للجماهير، وفي عصر أصبحت فيه كل لحظة من المباراة تصل إلى ملايين الأشخاص عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تحولت هذه الإشارة البسيطة إلى رسالة شخصية يمكن أن تصل إلى صاحبها في أي مكان. وتوجد احتفالات أخرى ذات طابع عائلي أكثر وضوحًا، مثل مصّ الإبهام، وهي حركة ارتبطت لدى عدد من اللاعبين بإهداء الهدف إلى طفل أو مولود جديد. وفي هذه الحالة يتحول الهدف من إنجاز رياضي إلى احتفال عائلي صغير يحدث أمام عشرات الآلاف في المدرجات وملايين المشاهدين خلف الشاشات، ومن أكثر الإشارات التي تثير فضول الجماهير تلك التي يستخدم فيها اللاعب أصابعه لتشكيل حرف أو رمز، وهنا تبدأ التخمينات حول مقصد اللاعب من تلك الحروف، فهل هو الحرف الأول من اسم زوجته؟ أم اسم طفله؟ أم رسالة إلى شخص بعينه؟ وفي كثير من الحالات يكون بالفعل رمزًا شخصيًا مرتبطًا بشخص قريب من اللاعب،لكن لا توجد قاعدة عامة يمكن تطبيقها على جميع اللاعبين، فالإشارة نفسها قد تحمل معنى مختلفًا تمامًا من لاعب إلى آخر، وقد تكون في بعض الأحيان شيفرة لا يعرفها سوى صاحبها ومن أُهديت إليه، وحتى الإشارة إلى العينين، التي يستخدمها بعض اللاعبين بعد التسجيل، يمكن أن تحمل أكثر من دلالة، فقد تعني «أنا أرى»، أو «راقبوني»، أو «كنت أعرف أنني سأفعلها»، ومثل معظم الاحتفالات، فإن السياق هو الذي يمنح الحركة معناها الحقيقي، أما تقبيل شعار النادي أو قميص المنتخب، فهو من أكثر أشكال التعبير عن الانتماء شيوعًا في كرة القدم، وقد ارتبط به الكثيرون في نواديهم ومنتخباتهم، وهذه الشارات نجدها أيضا في مختلف الرياضات، وهي بصورتها البسيطة مجرد احتفال أو تعبير عن الحب والوفاء للقميص، لكنه قد يتحول في بعض الظروف إلى رسالة سياسية أو عاطفية داخل النادي، خصوصًا عندما يأتي بعد فترة من الشائعات أو الانتقادات التي تتعلق بمستقبل اللاعب، وهناك أيضًا التحية العسكرية، التي استخدمها عدد من اللاعبين في مناسبات مختلفة. وقد تكون تكريمًا لأحد أفراد العائلة، أو إهداءً لشخص يخدم في الجيش، أو تخليدًا لذكرى شخص عزيز، ومثلها السجود بعد تسجيل الأهداف، وهو مشهد أصبح مألوفًا في الملاعب العالمية، خصوصًا مع اللاعبين المسلمين، وغالبًا ما يعبر السجود عن الشكر لله بعد الإنجاز، كل هذه الإشارات تكشف جانبًا مختلفًا من شخصية الرياضي، فخلف القميص والرقم والهدف توجد حياة كاملة: عائلة، وأصدقاء، ومعتقدات، وذكريات، وضغوط، وانتقادات، وأحيانًا خصومات رياضية وإعلامية، ولذلك لم يعد احتفال الهدف مجرد لحظة عابرة، بل أصبح جزءًا من العرض نفسه، وأحيانًا جزءًا من قصة المباراة، وقد يتذكر الجمهور الاحتفال بعد سنوات، كما يتذكر الهدف الذي سبقه.
وفي حالة جمال سجاتي، كانت السبابة الموضوعة على الفم كافية لإشعال النقاش حول الرسالة التي أراد إيصالها، وربما يكون معناها الحقيقي معروفًا لسجاتي وحده، لكن المؤكد أن أفضل رد على الانتقادات في الرياضة يظل هو الإنجاز نفسه، لقد دخل العداء الجزائري السباق، وخرج منه بطلًا، وبين خط البداية وخط النهاية، لا توجد صحف ولا تعليقات ولا سجالات، بل هناك فقط ساعة توقيت ومنافسون ونتيجة لا تحتاج إلى كثير من الشرح، ففي الرياضة، قد تكون أقوى عبارة هي تلك التي لا تُقال، بل تُرى كإشارة بألف معنى.