الرأي

عندما يصحو الضمير

صالح عوض
  • 2232
  • 0

أزمة البشرية الأساسية اضمحلال الضمير الإنساني وبروز التوحش الحيواني .. ضياع معالم الإنسان وحضور معالم البهيمية التي تقاد بالغريزة خوفا وطمعا.. وما حدث استعمار ولا قتل إلا بفعل تغول الحيوانية في الإنسان ضد أخيه الإنسان، وما نشبت حروب وتصارعت جماعات إلا بغياب المنطق العدل وفقدان الضمير الإنساني.. ما أصعب أن يغيب الضمير الإنساني في لحظات الكشف عن الحقيقة واستحضار البراهين والأدلة.. هنا تفرغ الحروف من دلالاتها والكلمات من معانيها ويفقد السياق نفسه وتنقلب المشاهد إلى غير ذاتها ويتساوى العالم والجاهل وتهزم الحقيقة.. عندما يغيب الضمير الإنساني يصبح الإيمان بلا فائدة والعلم بلا رسالة.

وغياب الضمير يقع عندما يجذبه الخوف والرغبة ويصبح هواء.. ويغيب كذلك عندما يصيب اليأس القلب من جدوى الحقيقة وقيمة الصدق والتضحية في مسيرة تستبد فيها قوى الشر والطغيان ويأتي الصراخ المكسور من الأعماق أن: لا جدوى يا مسيح.

ولإتمام هذه الجريمة الكبرى توضع الخطط المزودة بآليات التشويه والتحريف لصناعة نخب بلا ضمير فتجد عالم الدين والمفكر والاعلامي والسياسي والأديب وقد نخرت ضمائرهم لا يوقفهم صراخات المكلومين ولا تستوقفهم البراهين ولا يهمون بفعل مهما قلت قيمته من أجل أخرين معذبين.

وفي الجرائم الصغرى على شاكلة الخيانة وهضم حق الأخرين والتلصص والافتراء والأنانية، كما في الجرائم الكبرى على شاكلة سرقة فلسطين وقتل الهنود الحمر وقنابل هيروشيما ونجزاكي ومجازر الجزائر ومجزرة قانا صبرا وشاتيلا بلبنان وملجأ العامرية بالعراق، وسوى ذلك يكون سيد المشهد وجود أشخاص متحكمين بتفرد قد غاب لديهم الضمير الانساني فأصبح كل شيء لديهم خاضع لميزان القوى ولغريزة الغلبة والقهر.

فماذا لو صحا الضمير.. إنه يعيد ترتيب الأشياء إلى أصلها.. فكم قرأنا عن استعماريين فرنسيين راجعوا أنفسهم وتابوا وانخرطوا في المقاومة ضد الاستعمار، وقد قرأنا عن أشخاص من قادة المشروع الصهيوني ومفكريه كيف أنهم تراجعوا وتابوا.. وشاهدنا أمريكان يتظاهرون ضد سياسات بلادهم نصرة لفلسطين والعراق وقضايا الأمة.

وهنا لابد من الاشارة الواضحة أن عمليات الصحو تحدث في الغرب، كما لو كانت هزات عنيفة للوجدان يقدم أصحابها دليلا قويا على تفاعلهم الجاد مع ما انتهوا إليه من يقين.. فأمام البيت الأبيض جلست امراة أمريكية عجوز سنوات طويلة كل يوم لا تأبه بالأحوال الجوية ولا بنكران العرب لها، ترفع علم فلسطين وتدين السياسة الأمريكية، واستمرت حتى وقفتها المنية في صمت.. وكذلك عشرات بل ألاف الرجال والنساء في أمريكا وأوربا ينتفضون ملفعين بأعلام فلسطين يعرضون أنفسهم لتضحيات في الرزق والاستقرار.

في السياسة وهي المجال الأكثر حساسية تصبح عمليات صحو الضمير مسألة أخلاقية بحضورها يسود الخير والسلام  والعدل وفي غيابه تضيع الإنسانية تحت وطأة المصالح الشخصية والحزبية والعنصرية.. تولانا الله برحمته.

مقالات ذات صلة