عندما يلعب “الذراري” بالنار
لعبُ النظام المغربي بالنار قد بدأ حتى قبل إشعال النار في بلاد الأحرار، وحتى قبل افتضاح أمره أمام الملأ، بعد أن كان كثيرٌ منا لا يصدق “أرجوزة” التواطؤ المغربي الإسرائيلي الماكسيت ضد الوحدة الوطنية والترابية. كثيرٌ من المشككين من الجزائريين، هم كثّرٌ للأسف، كانوا، ولا يزال كثيرٌ منهم أيضا، يرون أن هذا “تحاملٌ” على المغرب، و”إيهامٌ” و”تضليل” لـ”التغطية على إخفاقات داخلية.”
ما حدث يوم احتفالنا بالفاتح من نوفمبر قبل أيام، وفي اليوم الأول من انقطاع الإمداد الغازي عن الغازي للصحراء الغربية، حدث ما لم يكن في الحسبان، وصعَّد النظام الملكي الموقف إلى درجة الخط الأحمر، أي اللعب بالنار الفعلي هذا المرة: الأمر لم يعد مجرّد تهم، بل حقائق على الأرض بفعل جريمة حرق ثانية، وهذه المرة ليست بفعل فاعل داخلي محرَّك بأيادي داخلية ذات امتدادات خارجية تصل إلى الكيان الصهيوني وفرنسا والمغرب: شبكة إجرام منظم وممنهج ضد الوحدة الوطنية والترابية والاستقرار السياسي والاقتصادي. اللعب بالنار هذه المرة، كان قصفا لقافلة جزائرية في خط تجاري يمرّ من ورقلة عبر الشريط الجنوبي للصحراء الغربية باتجاه موريتانيا. القصف الذي ستؤكده التحقيقات بالحقائق الدامغة، سيُفضي حتما إلى كشف النقاب عن ضلوع النظام المغربي في هذه الجريمة في حق مدنيين جزائريين من خلال “سلاح متطور” كما عبّر عنه البيان الرئاسي، والذي سيتأكد دون شك أنه كان بواسطة طائرة مسيَّرة. هذا الاعتقاد منّا مبنيٌّ على أفعال سابقة، إذ سبق للنظام المغربي أن قصف قبل ثلاثة أسابيع سيارة لمدنيين صحراويين داخل الأراضي المحررة، أي داخل الشريط الفاصل بين الحدود الجزائرية والعازل الرملي الذي أقامه الاحتلال المغربي ومر الأمر بسلام والسلام. قبل ذلك، كان قد أشير أكثر ما مرة إلى أن المغرب يتعاون مع الكيان الصهيوني من أجل تصنيع مسيَّرات لمقاومة الثوار الصحراويين إثر حادث الكركرات ونفض يد البوليساريو من اتفاق وقف النار وهذا في 14 نوفمبر 2020، أي قبل عام بالضبط على حادث الاغتيال الجبان للشبان الجزائريين المدنيين الثلاثة. إنها أخطر لعبة بالنار معنا: لعب ذراري سيُلهب حتما أيديهم وأرجلهم وأعينهم من حيث لا يحتسبون..
تواطؤ الثالوث المدنّس “فام” (فرنسا، إسرائيل، المغرب) ضد الجزائر عبر بوابة المغرب ومنفذ الصحراء الغربية، هي استراتيجية النظام الملكي في الضغط على الجزائر لقبول الحوار والجلوس على مائدة مستديرة لا يحضرها الصحراويون أصحابُ الأرض والقضية، وهو ما رفضته الجزائر كل مرة، ومؤخرا، عندما أنهت الجدل بهذا الشأن بعدم اعتبار الجزائر طرفا، بل عنصرا مراقبا، ولا تفاوض معه بل مع الفاعلين والمعنيين مباشرة وهم جبهة البوليساريو. محاولة الضغط عبر استدعاء الكيان الصهيوني وتوطئة له المجال مغربيا عبر تطبيع مشين ونذل، وعبر الملف الصحراوي في محاولة غرس عرق جيفة في الأراضي الصحراوية عبر امتيازات اقتصادية واهية ونجدة له في أزمته مع غاز الجزائر المفقود، عبر استقدام الكيان الإسرائيلي للتنقيب عن النفط في الصحراء الغربية، كل هذا يضاف إلى مساعدة المغرب لهذا الكيان للتغلغل في القارة الافريقية وفي مؤسساتها لزرع الفرقة والفتنة بين الأعضاء، خاصة مع الوجود الفرنسي المتلاشي في مالي والصحراء.. كل هذا يجعل الجزائر مقبلة على تحديات ضخمة تتطلب وحدة وطنية وجدارا أمنيا شعبيا لأن العواقب لن تمر بدون دويّ هذا المرة. لن يجرّنا أحدٌ من أنوفنا نحو حرب، لكن الجزائر بجيشها وشعبها ستعرف كيف تقطع الأيادي الآثمة التي تمتد إلى أبنائها ووحدتها وسيادتها.