عن “الاحتلال الأجنبي للشعب القبائلي”؟!
أخرجت الوثيقة الرسمية التي وزّعتها الممثلية الديبلوماسية المغربية بنيويورك على دول عدم الانحياز، الدعمَ المغربي لحركة “الماك” الانفصالية، من السرّ إلى العلن؛ إذ لم يكن خافيا عن أحد أنّ المخزن، كان يدعمها منذ تأسيسها في سنة 2001 إلى الآن، ماليا وإعلاميا على الأقلّ، وفتح قنواتِه الفضائية لقادتها للترويج لدعواتهم التخريبية، قبل أن يقرّر أخيرا أن يجهر بدعمه لها، ويشرع في حملةٍ ديبلوماسيّة دولية للترويج لطرحها الانفصالي والحديث عما سماه “الشعب القبائلي”، والزعم بأنه “يتعرض لأطول احتلال أجنبي” في التاريخ؟!
أولا: ليس هناك “شعبٌ قبائليٌّ” في الجزائر، بل هناك شعبٌ جزائري واحد موحّد، يتكون من أمازيغ وعرب صهرهم الإسلامُ منذ قرابة 14 قرنا قدّموا خلالها أروع الأمثلة في التلاحم والتعايش والتعاون، وإذا ظهرت اليوم بعضُ النزعات الانفصالية لدى أعدادٍ محدودة من القبائل، بفعل الجهود التخريبية المكثفة لفرنسا منذ 1830 إلى الآن، فهذا لا يغيّر شيئا في الواقع لأنّ أغلب القبائل يرفضون طرح “الماك” الانفصالي، ويتشبَّثون بالوحدة الوطنية.
ثانيا: الأخطرُ من الاستعمال المُغرض لمصطلح “الشعب القبائلي” هو الزعمُ بأنّ هذا “الشعب” قد تعرّض لـ”أطول احتلال أجنبي؟!”، وهذا الكلامُ الخطير وغير المسؤول يعني أنّ المخزن قد تبنّى زعم “الماك” بأنّ الجزائر قد تعرّضت لـ”غزو إسلامي” قبل 14 قرنا، وأنّ وجود أحفادهم الآن في البلاد هو “احتلالٌ أجنبي” وينبغي العملُ على “طردهم” منها، وهذا الكلام تردَّد كثيرا في السنوات الأخيرة مع انتشار مواقع التواصل الاجتماعي وتفشي خطاب الكراهية والعنصرية في البلاد، وجاءت المغرب الآن لتحاول الاستثمار فيه قصد تعميق الهوَّة بين الجزائريين وضرب وحدتِهم الوطنية وتقسيمِهم وبلقنة بلادهم، وهي محاولة حقيرة تدلّ على خساسة نفوس مروِّجيها، ولن تنجح بإذن الله بفضل تعقّل الجزائريين وتمسّكهم بوحدتهم ونبذهم لأيّ خلافات تؤدّي إلى حروبٍ أهلية دموية لا طائل منها ولن تحقّق شيئا غير الخراب والمآسي. ولكن ينبغي أن ننبّه المخزن إلى أنّ هذا الطرح الخطير ليس خاصًّا بـ”الماك” وحده؛ فغلاةُ الأمازيغ المغاربة أيضا يردِّدون هذا الخطابَ التحريضيّ العنصري ذاته في المغرب، وقد راج أكثر خلال انتفاضة الريف منذ نحو أربع سنوات وسمعنا متظاهرين أمازيغ يدعون إلى العودة إلى جمهورية عبد الكريم الخطّابي، ونستغرب كيف يعتقد المخزن أنّه سيضرّ الجزائرَ بهذا التحريض الرخيص مع أنّ النار ستمتدّ حتما إلى ثيابه وتُحرقها إذا أشعلها في الجزائر. هذا لعبٌ خطير بالنار يدلّ على قِصر نظر أصحابها وضيق أفُقهم، وأنّ الأحقاد التي تملأ قلوبهم اتجاه بلادنا، على خلفية ملفّ الصحراء الغربية، قد أعمتهم تماما عن الاستقراء السليم للعواقب.
لقد كان هناك فتحٌ إسلاميٌّ جلب دينَ الحق إلى شمال إفريقيا والحمدُ لله على هذه النعمة، وجلُّ أمازيغ الجزائر في كلّ جهات الوطن يثمِّنون هذه النعمة العظيمة، باستثناء شرذمةٍ قليلة تتبع “الماك” أعمت الكراهية والأحقادُ قلوبها فوصفت الفتوحات بـ”الغزو” و”الاحتلال الإسلامي”، ولكنّنا نأسف أن ينتقل هذا الخطابُ المليء بالكراهية والعنصرية المقيتة، من منشورات وتغريدات يروّجها الغوغاءُ والدهماء في مواقع التواصل الاجتماعي إلى النظام المغربي الذي كان ينبغي أن يتحلى بالرزانة والتعقّل والنأي بالنفس عن الخوض في مثل هذه المسائل الحسَّاسة.. إنها سقطة مدوّية أخرى لـ”أمير المؤمنين” بعد سقطة الانبطاح للاحتلال الصهيوني وبيعِ القدس والأقصى بتغريدةٍ لا تقدِّم ولا تؤخِّر لرئيسٍ أمريكيٍّ خسر الانتخابات. لقد فضّل المخزن قطع شعرة معاوية مع الجزائر والتصعيد ضدَّها على كلِّ المستويات، وسيجرُّ نفسه وبلده إلى ما لا يحمد عقباه.