عن “الاحتلال” التركي للجزائر؟!
عندما ينفي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وجود أمة جزائرية قبل الاحتلال الفرنسي، فإنّ ذلك يعني ببساطة أنه وفيٌّ للمنطق الاستعماري الذي ما فتئ يروِّج لخرافة “الجوانب الإيجابية للاستعمار”، والذي دُشِّن رسميا في فيفري 2005 من خلال سنّ قانون تمجيد الاستعمار، من دون أن يجد بالمقابل سوى التنديد من السلطات الجزائرية، التي لم تجرؤ طيلة 16 سنة كاملة على سنّ قانونٍ مضادّ ينصّ على تجريم الاستعمار، ليبقى المقترح القانوني الذي تقدّم به مجموعةٌ من النواب حبيس أدراج المجلس الشعبي الوطني إلى حدّ الساعة، وهو ما شجّع الفرنسيين على التمادي في كيل الإهانات تلو الأخرى للجزائر.
الإهانة لم تقتصر على التبجّح بـ”خلق” الاستعمار الفرنسي لأمّةٍ جزائرية، وإلغاء أيّ وجود لنوميديا والممالك التي قامت في البلاد كالدولة الرستمية والحمادية والزيانية… بل تعدّتها أيضا إلى المساواة بين الوجود العثماني في الجزائر والاستعمار الفرنسي الاستدماري، مع أنّ كلّ المؤرِّخين والمتتبِّعين المنصفين يفرِّقون تماما بينهما؛ فالاستعمارُ الفرنسي احتلّ الجزائرَ بالقوة ولم يرحّب به أحد، ومارس أبشع أنواع المجازر والجرائم الهمجية ضدّ الجزائريين، وقتل الملايين منهم طيلة 132 سنة، واغتصب أراضيهم واستعبدهم وأفقرهم وجوّعهم وجهّلهم، وسعى بكلّ الطرق إلى طمس عناصر هويتهم.. في حين أنّ العثمانيين جاءوا إلى الجزائر في 1516 ميلادية بعد أن استنجد بهم أهلها باعتبارهم إخوةً في الدين وحملوا لواء الخلافة الإسلامية، ليُنقذوهم من حملات الإسبان على مُدنهم الساحلية، وقد تمكّنوا من تحريرها جميعا، وصدّ الغزوات البحرية الأوروبية، وحموا الجزائر طيلة ثلاثة قرون، ولم يرتكبوا قطّ مجازر ضدّ السكان، وأصلا لم يثُر أحدٌ على حكمهم على ما فيه من تجاوزات، فهل يستوي من حمى الجزائرَ مع معتدٍ غزاها لاستيطانِها ونهبِ خيراتها وتنصير سكانها واستعبادِهم وتفقيرهم وإذلالهم…؟!
يقول ماكرون إنّه “منبهر” بقُدرة الأتراك على إقناع الجزائريين بأنَّ “احتلالهم” للجزائر ليس احتلالا، وكأنّ المسألة تتعلّق بإقناع الأتراك لنا، وليس بقناعةٍ راسخة لدى الجزائريين، باستثناء أقلية فرانكفونية علمانية تؤيّد الأطروحة الفرنسية بشأن العثمانيين، لأنها لا تؤمن أصلا بشيء اسمه “الخلافة الإسلامية”، وتتحدّث عن الأتراك كقومية، وليس عن العثمانيين كخلافة ثالثة بعد خلافتي الأمويين والعباسيين اللتين ضمّتا شمال إفريقيا تحت جناحيهما قرونا عديدة، ولم يكن سكَّانُ المنطقة يرون أيّ ضيرٍ في ذلك لدوافع دينية بحتة.
نعود إلى تصريحات ماكرون لنقول باختصار إنّ ردود الأفعال الكلامية الكثيرة التي سمعناها في الأيام الماضية من الطبقة السياسية، لا تكفي وحدها لدفع فرنسا إلى التراجع عن نظرتها الاستعلائية الاحتقارية للجزائر والجزائريين، ولا بدّ من ردودٍ عملية قويّة تؤلم فرنسا، وفي مقدّمتها المضيّ قدُما في تنويع العلاقات الاقتصادية الخارجية للبلاد وتعزيزها أكثر مع روسيا والصين، ورفع التجميد عن مقترح قانون تجريم الاستعمار والتصديق عليه في البرلمان، وكذا رفع التجميد غير المعلن عن قانون تعميم استعمال اللغة العربية في الإدارات والمؤسسات والهيئات العمومية والمحيط العامّ؛ إذ ليس من المعقول أن تُصدر فرنسا قانونا لتمجيد استعمارها الإجرامي للجزائر، ونجبن نحن عن الردّ طيلة 16 سنة كاملة، وليس من المعقول أيضاً أن يظل قانونُ تعميم استعمال اللغة العربية مجمَّدا منذ جويلية 1992، وأن يتواصل تهميشُ العربية في عقر دارها برغم مرور قرابة 60 سنة من الاستقلال، وتحظى اللغةُ الفرنسية بانتشار واسع في الإدارات والهيئات والمؤسسات العمومية والخاصة وحتى في المحيط العامّ كالمحالّ التجارية التي غزت واجهاتِها.
لقد آن الأوانُ لتصحيح الوضع، وبعثِ قانون التعريب وتعميمِه تدريجيا، وإنهاءِ منح الاحتكار للّغة الفرنسية في التعليم وإبعاد الإنجليزية عن منافستها، إذا أردنا الردّ على فرنسا فيجب أن يكون عمليّا ويبدأ من هنا.