الرأي

عن الاستعمار اللغوي للجزائر

ناصر حمدادوش
  • 92
  • 0

لم يكن الاستعمار الفرنسي للجزائر يأخذ أبعادًا سياسيةً وعسكريةً واقتصاديةً فقط، بل كان يتميَّز بذلك النَّفَس الدِّيني الثقافي، كامتدادٍ مفضوحٍ للحروب الصَّليبية، وذلك وفق سياسةٍ منهجية، كانت تستهدف بالأساس: طمس الشَّخصية الجزائرية، ومسخ أبعاد الهوية العربية الإسلامية والأمازيغية، ومن أدوات ذلك: فرض اللغة الفرنسية، ودمج الشَّعب الجزائري ضمن البِنية الثقافية الفرنكوفونية.

وقد اتَّبعت فرنسا في ذلك عدَّة أساليب شيطانية في محاولة إلحاق الجزائر بها، ومن ذلك: إجبارية تعلُّم الفرنسية وإقصاء اللغة العربية، وتدمير المرجعية الدينية الوطنية، وطمس المعالم الثقافية والتاريخية، وتدمير البِنية الاجتماعية للمجتمع الجزائري.

ومن المؤلفات الجديرة بالقراءة والتحليل والنَّقد، ما كتبه الدكتور “ناصر الدِّين سعيدوني”، تحت عنوان: “المسألة الثقافية في الجزائر: النُّخب– الهوية– اللغة، دراسة تاريخية نقدية”، في طبعته الأولى سنة 2021م، والذي تناول جوهر المسألة الثقافية الجزائرية، جذورها ونشأتها وتطورها ومآلاتها وآفاقها، بنظرةٍ تجديدية تتجاوز الأفكار النَّمطية والأحكام المسبقة النَّابعة من الخلفيات الإيديولوجية، كما يقدِّم الكتاب نظرةً عن الكتابات التي تناولت “المسألة الثقافية في الجزائر”، انطلاقًا من العرض التقريري إلى تجديد المقاربات، وصولا إلى المفاهيم المؤطِّرة لهذه المسألة الثقافية.

وقد تناول القسم الأول فيه تحت عنوان: “من صدمة الاستعمار إلى ثورة التحرير: محاولات الإحياء وبذور الصِّراع الثقافي”، ليعالج في هذا القسم: السِّياسات الاستعمارية وأثرها الثقافي على المجتمع الجزائري، ومشروع إلغاء الوجود التاريخي والثقافي للجزائر، وبوادر اليقظة وحركة الإحياء الجزائرية عبر المقاومة الثقافية ما قبل الحركة الوطنية، إلا أنَّها لم تخلُ من تياريْن خطيريْن –في نظره- على الهوية الوطنية، وهما: تيارٌ انسلخ تمامًا عن هويته الجزائرية، واندمج كليّا في الحياة الفرنسية، وتيارٌ لم يُنكر جزائريته إلا أنه تشبَّع بالفرنسية وتشرَّب ثقافتها، وعادَى كل ما هو ثوابتيٌّ وأصيلٌ يربطه بتاريخه وحضارته.

ثم تحدَّث الدكتور سعيدوني عن “الحركة الوطنية الجزائرية: التيارات السِّياسية الجزائرية المؤسِّسة للمسألة الثقافية”، وذلك بالإسهاب في الحديث عن الوضع الثقافي في الجزائر قبل الثورة والاستقلال، والذي عبَّر عن تناقضاتِ المشهد الثقافي الجزائري، وأسَّس لهذا الانقسام الذي يطبع النُّخب الثقافية من ناحية منظورها الإيديولوجي إلى الآن، بين التوجُّه الإصلاحي التحرُّري الاستقلالي، والتوجُّه الاندماجي الليبرالي الشيوعي، متوقِّفًا عند ثلاث محطاتٍ سياسيةٍ تاريخيةٍ ميَّزت الهوَّة بينهما، وهي: “المؤتمر الإسلامي سنة 1936م” و”بيان الشَّعب الجزائري سنة 1943م”، و”حوادث 08 ماي 1945م”.

ثم انتقل بنا إلى مرحلة “الثورة التحريرية وإشكالية الثورة والثورة المضادة”، فيرى أنه قد وقع انطفاءٌ لشعلة الثورة التي كانت كلمة الجهاد والاستشهاد هي التي تصنع الوعي وتُلهب المشاعر وتجنِّد للمقاومة والكفاح، فلم تستكمل هذه الثورة -بتلك الخلفية العقائدية الإيمانية والحضارية- مشروعها بعد الاستقلال، إذْ هيمنت قوى الثورة المضادة على السُّلطة والمصالح، تحت شعارات “الاشتراكية والتقدُّمية”، وظهر “حزب فرنسا” الطابور الخامس، الذي وَرِث الاستعمارَ الثقافي، وكان من أبرز شعاراته عن اللغة الفرنسية أنها “غنيمة حرب”، وحاول تأبيد الوجود الفرنسي في الجزائر حتى بعد استقلالها سنة 1962م.

ثم تحدَّث في القسم الثاني من الكتاب عن “المشهد الثقافي الجزائري ومعضلة التكامل والاندماج الثقافي– بناء الدولة بين التناقضات الفكرية والاختلافات الإيديولوجية”، ومن جملة فصول هذا القسم، تناول: “منظومة الحكم والشأن الثقافي”، مركِّزًا على “سياسة التعريب” في عهد الرؤساء الذين تعاقبوا على الحكم في الجزائر، من الرئيس “أحمد بن بلة” إلى “هواري بومدين” و”الشَّاذلي بن جديد” و”محمد بوضياف” و”علي كافي”، وصولا إلى “عبد العزيز بوتفليقة”، وكيف أثَّرت تلك الإجراءات والقرارات، وحَالَت دون استكمال الجزائر استقلالها الثقافي، إذ كرَّست وضعًا ثقافيًّا يتميَّز بالازدواجية في الفكر والسُّلوك بين أبناء الثقافة العربية الإسلامية وأبناء الثقافة الفرنسية الغربية، وظهور الثنائيات المتصارعة على الهوية والثوابت الوطنية والمسألة اللغوية في البلاد، بين التيار الوطني الإسلامي والتيار العلماني، ومختلف العُصب الحاكمة التي ظلَّت مرتبطة بحزب جبهة التحرير الوطني إلى غاية التعددية.

كما تناول في هذا القسم: “الفضاء الثقافي الجزائري ودور النُّخب في صياغته وتفعيله”، فتحدَّث عن انقسام هذه النُّخب الجزائرية إلى “النُّخب الأصيلة المعرَّبة” و”النخب الفرنكوفونية المتغرِّبة”، ويرى بأنَّ الجزائر –ورغم مرور أكثر من نصف قرن على الاستقلال- إلا أنها عجزت عن إنتاج نُخَبٍ ذات مصداقية وفاعلية، تمتلك الإحساس والوعي بدورها، ولها التأثير في المجتمع والدولة، بل ظلَّت نخبًا ضعيفةً هزيلةً ومتضاربة في أطروحاتها، غارقةً في وَهْم الاصطفافات الإيديولوجية والسِّياسية.

وفي أحدث موضوعاته، تناول في هذا الكتاب: الإمبريالية اللغوية، وذلك بالحديث عن “عروبة الجزائر من خلال عملية الاستعراب وآفاقه”، فتحدَّث عن عروبة الجزائر من خلال الاستعراب أو التعريب الذاتي، وعن المحاولات المعادية للُّغة العربية عبر جدلية “لغة الأم” و”اللغة الأم”، ومحاولات فرض لغة الأم (الدارجة) في المدرسة، وهي السياسة التي تجسِّد بُعدًا استراتيجيًّا معاديًّا للُّغة العربية، ومنافيًّا لاستقلال الجزائر الثقافي، وهو ما يمهِّد للنُّفوذ الثقافي الفرنسي، ويهيِّئ الأرضية لهيمنة اللغة الفرنسية، ويحرم الجزائر والجزائريين من اكتساب المناعة الحضارية والارتقاء الثقافي والمساهمة المعرفية، والتي لا تتحقَّق – كما هو عند جميع دول العالم– إلا باللغة الوطنية والرَّسمية، ولا يكون ذلك إلا بنجاح التعريب، ووضع حدٍّ أمام تحدِّي الفرنسية.

كما تناول “الحراك الأمازيغي (البربري) في مظهره السِّياسي وتعبيره الثقافي”، من انبعاث الحركة البربرية بعد الاستقلال (1962م– 1980م)، وتجذُّرها (من 1980م إلى 2018م)، وتطوُّر التوجُّه الانفصالي فيها، ويرى بأنَّ المطالب البربرية تواجه عاملاً سلبيًّا كامنًا في طبيعة المطلب الثقافي نفسه، والذي لا يعود إلى قوى خارجية، بل تكمن الأزمة فيه إلى عوامل ذاتية من أصحابه، فالمشكلة تعود إلى انعدام لغةٍ بربريةٍ معياريةٍ جامعة، وعدم الاتفاق على الحرف الذي تُكتب به: بين التيفيناغ المرتبط بالاحتلال الروماني، أو العربي المرتبط بالفتح الإسلامي، أو اللاتيني المرتبط بالاستدمار الفرنسي، وكذا وجود مكوِّناتٍ أمازيغية خارج منطقة القبائل، وهي: الشاوية والميزابية والتارقية والشَّلحية… وغيرها، وهي بعيدةٌ عن هيمنة الثقافة الفرنسية، ومنسجمةٌ -في غالبيتها- مع الفضاء الثقافي الجزائري الطبيعي، المتشبِّع بالثقافة العربية والإسلامية الأصيلة.

ويرى “سعيدوني” أنَّ سبب عدم وجود لغةٍ بربريةٍ جامعة، ذاتَ مستوًى علميٍّ ومظهرٍ ثقافي، أنَّ اللِّسان البربري بمختلف لهجاته (القبائلية والشاوية والشلحية والميزابية والتوارقية…) لم يكن يومًا لغةَ دولة أو أداةَ إدارة أو خطابَ عقيدة، سواء في العهد الروماني أو في الفتح الإسلامي أو أثناء الاحتلال الفرنسي.

ثم يقرأ الدكتور “سعيدوني” في القسم الثالث من الكتاب مسألة “التعريب والصِّدام بين مشروعين ثقافيين”، فتحدَّث عن محطَّات التعريب، عن قانون تعميم استعمال اللغة العربية وتجميده، وعن العوامل المعيقة له، رغم أنه مشروعٌ منسجمٌ مع أهداف الثورة، وبناء الدولة الجزائرية، ذات السِّيادة، في إطار المبادئ الإسلامية، وضمن فضائها الطبيعي العربي الإسلامي، وباعتبار أنَّ هذه العملية هي بناءٌ للهوية، واسترجاعٌ للانتماء الوطني والحضاري.

ويُرجِع أسباب فشل عملية التعريب إلى: غياب مشروعٍ وطني يؤسِّس للمجتمع والدولة في الجزائر بعد الاستقلال اعتمادًا على اللغة العربية، وانعدام خطةٍ محكمةٍ لتنفيذ عملية التعريب، وطغيان الخطاب الديماغوجي المضلِّل عند بعض الحزبيين والسياسيين المعارضين للتعريب، وضعف الوعي بالدور اللغوي لدى النُّخب المعرَّبة، والاستلاب اللغوي والثقافي الذي اتَّسم به الفرنكوفونيون المتنفِّذون في دواليب الحكم.

ثم تحدَّث عن”المنظومة التربوية ومسألة إصلاح التعليم”، وعن نظام حكم بوتفليقة و”إصلاح الإصلاح” و”لجنة بن زاغو” و”إجراءات بن غبريط”، ويقول بأنَّ محاولة إصلاح المنظومة التربوية بيَّنت فقدان النظام السِّياسي سيطرته على المدرسة “فما عادت مكانًا لإنتاج أجيالٍ من المتعلمين كما يريدهم الحاكم، لتبرير سلطته وإحكام قبضته، بل غَدَت بفعل التحديات التي تعيشها الجزائر، مجالًا لتعبئةٍ وحِراكٍ أحبط أهداف الإصلاح التربوي كما تصوَّرته لجنة بن زاغو، ولم تحظَ الفرنسية بالمكانة الأولى لغةً للبرامج كما أُريد لها، ولم تُلغَ مادة التربية الإسلامية، ولم يُطبَّق تدريس الفرنسية لغةً أجنبيةً ابتداءً من السَّنة الثانية كما كان مقرَّرًا، ولم تستطع جماعات الضغط أن تفرض آراءها..”.

ثم ختم كتابه بالحديث عن “اللغة الفرنسية: أداة تموقعٍ أيديولوجي وهيمنةٍ اقتصاديةٍ واجتماعية”، وتشكَّلِ فضاء الازدواجية اللغوية، وهيمنةِ اللغة الفرنسية على أجهزة الدولة والمصالح الإدارية، وتحوُّلِ النظام السِّياسي إلى عرَّابٍ للفرنسية في عهد التعددية، إضافةً إلى مسألة الجزائر والفرنكوفونية، أي تحوُّل الفرنسية في الجزائر إلى مسألةٍ ثقافية، لا إلى مجرد لغةٍ أجنبية، يقتصر وجودها في الفضاء الأكاديمي العلمي البحت، بعيدًا عن الفضاء المجتمعي العامّ، وبعيدًا عن الاستعمال في المؤسَّسات الرسمية والسِّيادية للدولة.

إنَّ خلاصة ما نخرج به من خلال هذه الإطلالة السَّريعة على كتاب الدكتور سعيدوني أنَّ النِّظام السِّياسي هو مَن يتحمَّل مسؤولية أزمة اللغتين الوطنيتين الرَّسميتين: اللغة العربية والأمازيغية، والتي كانت في جوهرها في صالح اللغة الفرنسية، ولذلك كان من أهمِّ الشعارات والمطالب “الأساسية والسِّياسية للحرَاك الشعبي” سنة 2019م: “ما كانش الخامسة يا أولاد فرنسا”، والذي أسقط العديد من مشاريع ورموز وأدوات الهيمنة الفرنسية في الجزائر، والنفوذ السِّياسي والاقتصادي والثقافي واللغوي لها فيها، وهو أعطى السُّلطة السِّياسية الجديدة بعد “الحراك الشعبي” القوة في الذهاب نحو السِّيادة السِّياسية والاستقلال الثقافي والتحرِّر اللغوي من الفرنسية، ومع ذلك لا تزال بقايا العصابة الثقافية تقاوم هذا التوجُّه السِّيادي والاستقلالي، وتحاول مستميتةً تأبيدَ الوجود الفرنسي في الجزائر، ومنه: على مستوى المنظومة التربوية، وهو ما يفرض على كلِّ الوطنيين الشُّرفاء الأحرار مواصلة معركة التحرير والسِّيادة والاستقلال، وعدم السِّماح بالاختطاف الإيديولوجي لمؤسسات الدولة لصالح هذه الأقلية الممسوخة ثقافيًّا ولغويًّا.

إنَّ خلاصة ما نخرج به من خلال هذه الإطلالة السَّريعة على كتاب الدكتور سعيدوني أنَّ النِّظام السِّياسي هو مَن يتحمَّل مسؤولية أزمة اللغتين الوطنيتين الرَّسميتين: اللغة العربية والأمازيغية، والتي كانت في جوهرها في صالح اللغة الفرنسية، ولذلك كان من أهمِّ الشعارات والمطالب “الأساسية والسِّياسية للحرَاك الشعبي” سنة 2019م: “ما كانش الخامسة يا أولاد فرنسا”، والذي أسقط العديد من مشاريع ورموز وأدوات الهيمنة الفرنسية في الجزائر، والنفوذ السِّياسي والاقتصادي والثقافي واللغوي لها فيها، وهو أعطى السُّلطة السِّياسية الجديدة بعد “الحراك الشعبي” القوة في الذهاب نحو السِّيادة السِّياسية والاستقلال الثقافي والتحرِّر اللغوي من الفرنسية.

مقالات ذات صلة