عن العلاقات الهادئة التي يريدها ماكرون مع الجزائر
كسَر الرئيس الفرنسي حُرمة المكان، وأهمية الحدث، هناك في جنوب إفريقيا، خلال قمة مجموعة العشرين، وراح يتحدث عن ألم في مساره الرئاسي، من خلال التطرق إلى مشكلته مع الجزائر.
وككل مرة، كلما تكلم الرئيس إيمانويل ماكرون عن الجار المتوسطي الجنوبي، أخطأ عن قصد أو ربما من دون قصد، عندما قال إنه يريد بناء علاقات هادئة لأجل المستقبل مع الجزائر، ثم انتقل ليقول إن أمورا كثيرة يجب أن تُصحَّح، واضعا المشاكل في زاوية، معددا إياها بالأمن والهجرة والاقتصاد، معترفا بصعوبة الوضع، ثم مشترطا نتائج، أو كما يقول المثل الشعبي الجزائري: “اللعاب أحميدة والرشّام أحميدة”.
نشعر أحيانا عندما يتحدث ماكرون عن الجزائر، بمعاناته من انفصام في الشخصية، فهو يبدأ بالمنطق وينتهي بالنقيض، يتحدَّث عن علاقات هادئة، ثم يشترط نتائج في ملفات أمنية واقتصادية، قالت فيها الجزائر رأيها ولا تستطيع أن تحيد عنه.
الرجل نقَل مشكلته السياسية إلى الملعب الجزائري، عندما اعترف بأن كثيرين في باريس يريدون أن يجعلوا من الجزائر قضية سياسية داخلية فرنسية، وهذا واضح من “مارين” وأخواتها وإخوانها، ثم زعم بأن كثيرين عندنا أيضا يريدون أن يجعلوا من العلاقة مع فرنسا قضية سياسية داخلية جزائرية، ونحن لا نمتلك لا “مارين” ولا أخواتها.
والحقيقة، أن الذي يريد أن يحلل ما قاله الرئيس الفرنسي في جوهانسبورغ، سيدخل في متاهة، لأن الرجل كان يجيب من دون سائل، ثم يسأل من دون إجابة، ومثل هذا التناقض سيجعل إعادة العلاقات أو حتى توقيف تدهورها أمرا شبه مستحيل.
اختار الرئيس الفرنسي منذ توليه زمام القيادة، وتمكّن اليمين من توجيهه، طريق معاداة الجزائر، وهذا شأنه، لكن أن يريد من الطرف الثاني ألا يردّ وأن يمنح للشركات الفرنسية تلك الامتيازات التي كانت تنعم بها، فذاك ما هو مرفوض. وكما اختار هو طريقه عليه أن يحترم اختيار الآخرين لطريقهم، ولم تكن الجزائر في قصّتها السياسية مع فرنسا، سوى رادة للصاع صاعا، غير ملتفتة إطلاقا إلى “وجع الرأس” الذي تحدث عنه وعانى منه الرئيس الفرنسي، ويريده أن يتحول إلى هدوء بحسب ما يخطط له.
لا يوجد في العلاقات الدولية أجمل من الهدوء، ونتحسَّسه في العلاقات مع الكثير من البلدان في القارات الخمس، وهو أمرٌ طبيعي ولا يخطط له، أما أن يصبح برنامج دولة، فذاك ما سيجعله هائجا، لا علاقة له بالهدوء المنشود، ومجرد أن يكسر الرئيس الفرنسي هدوء جوهانسبرغ والهدوء الذي سارت عليه قمة العشرين، التي تناولت قضايا العالم في هدوء ومن أجل الهدوء، هو دليلٌ على أنه يعيش ثورة في داخله، ويريد هدوءا في العلاقات مع بلد هو في الأصل هادئ وثائر.
يقول مفدي زكريا في إلياذته الشهيرة:
ويَا ثورةً حارَ فيهَا الزمان وفي شعبهَا الهادئ الثائرِ
ويا وحدةً صَهرتها الخطوب فقامت على دَمها الفائرِ.