عن المساواة بين العربية والأمازيغية
بعد أيام قليلة من الاعتراف الرسمي بينّاير عيدا وطنيا، وتقديم توجيه للحكومة بالبدء في إنشاء مجمع للغة الأمازيغية ووضع قانون عضوي لترقية استعمالها، بدأت بعض الأصوات تدعو إلى المساواة بينها وبين اللغة العربية في الدستور والميدان.
لقد حققت الأمازيغية في العقدين الأخيرين خطواتٍ مهمة، وأصبحت الآن تُدرّس في 38 ولاية، و7 جامعات، وتشتغل عليها 10 مخابر بحث، وتُستعمل على نطاق واسع في وسائل الإعلام، وقد اعترف بها دستور 2016 لغة رسمية، لكن أنْ تصبح لغة دولة مساوية للعربية، فهذا يحتاج إلى عقودٍ من الزمن.
المسألة هذه المرة لا تتعلق بقرارٍ سياسي، وإلا لتمّ اتخاذُه كما حصل مع “ينّاير” وانتهى الأمر، بل يتعلق بجهودٍ أكاديمية لغوية ضخمة ينبغي أن تُبذَل لتطوير هذه اللغة وإثرائها بمئات الآلاف من المصطلحات العلمية والمعرفية، وقبل ذلك تحديد الحرف الذي ستُكتب به ووضع لغة معيارية فصيحة تتجاوز اللهجات الحالية وتسمو عليها وتسمح لجميع أمازيغ الوطن بتعلّمها والتفاهم بها، كما يتفاهم العرب بالعربية الفصيحة حينما يتعذّر عليهم التواصلُ بلهجاتهم.
قاموس العربية يضمّ الآن أكثر من 12.3 مليون كلمة، ملايين الكلمات منها لا تزال تُستعمل، ومع ذلك فهي تعاني الأمرّين مع اللغات الحية، وتجد صعوبة في التموقع عالميا، فماذا نقول عن الأمازيغية التي لا تحتوي سوى على آلاف الكلمات في شتى أنحاء الوطن؟
من هنا يأتي دورُ مجمع الأمازيغية لتطويرها، ووضع مصطلحات أمازيغية لأكثر الكلمات العالمية استعمالا، وفي شتى العلوم والمعارف والآداب والفنون وشؤون الحياة اليومية، وجمعها في قواميس، واستعمالها في شتى وسائل الإعلام، وتكوين نخبةٍ قادرة على تدريسها وترسيخ استعمالها اليومي ولو لدى الأجيال الجديدة من المتعلمين… وهو كما نرى جهدٌ جبّار ومكثّف يحتاج إلى وقت طويل، وإرادة وصبر وبحث مضنٍ، وتوفّر إمكانات بشرية كبيرة وذات كفاءة للقيام بهذا الدور.
ليس من السهل وضع مصطلحات أمازيغية موحّدة في مختلف العلوم والمعارف والشؤون اليومية، ونشرها وتعليمها واستيعابها واستعمالها، بل هي مهمة شاقة ومضنية، لذلك نعتقد أن الذين يتحدّثون الآن عن مساواة الأمازيغية بالعربية التي تملك رصيدا لغويا هائلا، إنما يمارسون هوايتهم القديمة في المتاجرة السياسية بهذه اللغة التي تحتاج الآن إلى الباحثين الأكاديميين وليس إلى السياسيين.
ونودّ التنبيه أخيرا إلى ضرورة معالجة المسألة في إطار التكامل والتعايش بين اللغتين الشقيقتين، بدل الصراع والتنافر؛ لقد اعترض بعضُ أنصار الأمازيغية على تصنيف العربية “لغة دولة”، وهو اعتراضٌ في غير محلّه لأن الواقع يقول إن الكثير من مسؤولينا لا يزالون يفضلون عليها الفرنسية، سواء خلال الحديث أو تحرير الوثائق الإدارية، وهي “لغة دولة” على الورق فقط ولم تسترجع بعدُ مكانتَها بعد 56 سنة كاملة من الاستقلال، لذلك نعتقد أنه من الخطإ إثارة المسألة بهذه الطريقة المولّدة للنفور والحساسيات، في حين يمكن للغتين التعايشُ جنبا إلى جنب من دون أن تثيرا حساسياتٍ أو صراعات بين المواطنين كما حدث طيلة 14 قرنا كاملا.