الرأي

عن الولادة القيصرية لدولة فلسطين!

عبد الوهاب دربال
  • 1019
  • 0

تابعتُ مؤخّرا إعلان بعض الدّول الأوروبية بيانات اعتراف بالدّولة الفلسطينية فجر افتتاح أشغال الجمعية العامّة للأمم المتّحدة. وتابعتُ أيضا ترحيب بعض الدّول العربية بهذه الاعترافات باعتبارها مكسبا للقضية الفلسطينية.

والحقيقة والواجب يقتضيان إمعان النّظر في هذه البيانات في هذا الظرف بالذّات. وأقول على جناح السرعة ودون تردّد أنّها تخدم الصّهاينة أكثر ممّا تخدم قضية التّحرير الفلسطيني، وذلك لأنّها:

1- إنّ قرار التّقسيم المشؤوم الذي اتّخذته الأمم المتحدة لتسليم الصهاينة أرضا ليست لهم بداءة وتكوين دولة بركن غير شرعي قد دفع الدّول الأعضاء حينها المصوتة إيجابا على القرار إلى الإعلان الصّريح على الاعتراف بوجود دولتين على أرض فلسطين، وعليه فإنّ اعتراف الدول الأوروبية اليوم (بريطانيا وفرنسا وإسبانيا وهولندا… إلخ) لا يضيف جديدا بل يكشف صورة مخزّنة للاستهزاء بالأمّة العربية والتّصرف الدّوني المفضوح في تعامل الغرب خصوصا مع الدول حديثة العهد بالاستقلال عموما والدّول العربية والإسلامية خصوصا، وهي تُروِّج لهذا الاعتراف اليوم بأنّه انحياز للحقّ وأصحابه والحقيقةُ أنّها تبيع نفس البضاعة مرّتين.

2- يرجع الفضل بعد الله سبحانه وتعالى في دفع المجتمع الدولي إلى إعادة النّظر في الشّأن الفلسطيني إلى:

أ- صمود المقاومة وتضحيات الرّافضين للاحتلال والمجاهدين الشّادّين على الزّناد.

ب- دماء الأبرياء من النّساء والولدان والمدنيّين في القطاع خاصة وفي الضّفة أيضا التي أيقضت قلوبا غُلفا وأبصرت عيونا عُميا.

ج- العُري الفاضح لسياسة الكيل بمكيالين للغرب الإستعماري وانكشاف عوراته أمام شعوبه والعالم لما يدّعيه من مبادئ الحرية وحقوق الإنسان.

د- الرّسالة الواضحة بأنّ الحقّ عند الغرب مربوط بالقوّة لا بالعدل.

كما كشفت غزّة النّفاق الغربي بشكل غير مسبوق وعجز مختلف التّنظيمات الدّولية عن التّمكين لقراراتها وإلزام أعضائها بالقانون. كما كشفت عمليّا بأنّ القانون الدّولي لا يمكن أن يحقّق العدل ويصون حقوق الدّول والشّعوب بوجود القواعد التّمييزية التي بُنِي عليها مجلس الأمن خاصّة والتي تُخوِّل لعضو واحد من الأعضاء الخمسة الدّائمين أن يقف عقبة في وجه كل دول العالم.

هـ – إنّ الحركة الصّهيونية عدوّة للبشرية جمعاء لأنّها لا تُراعي في الإنسان غيرِ اليهودي حقّا في الوجود والحياة، وهي سرطان قاتل لكل القيم الإنسانية الجامعة وأن لا سلام معها وأنّ زوالها ضرورة بشرية ومصلحة إنسانية.

إنّ إعادة بعث الإعتراف اليوم بالدولة الفلسطينية والذي كان من المفروض أن يكون جزءا من القرار الأمميّ بعد نهاية الحرب العالمية الثّانية له غاية أخرى غير ما يعتقده بعض أصحاب الإرادات الصّادقة من أنّها إعادة الحق لأصحابه.

إنّها مناورة سياسية لكسب الوقت، وتخفيف الضّغط، وحماية المُعتدي، وانقاذ العملاء في العالم العربي والإسلامي.

وهل هناك أوضح من التّصريح * والإقرار الذي يصدر عن السّلطات البريطانية من أنّ الاعتراف بالدّولة الفلسطينية لا يعني قيامها اليوم ولكنّه

أحد أهمّ عناصر المفاوضات المستقبلية للوصول إلى السّلام في منطقة الشّرق الأوسط.

إنّ إقبال بعض الدّول على محاولة إعادة الرّوح لقرار الأمم المتحدة بعد منتصف الأربعينيات بالاعتراف بدولة فلسطين لا يصدر من مشكاة واحدة، فدولة وعد بلفور يستيقظ ضميرها هكذا صُدفة لإعادة الحقّ إلى أصحابه! وفرنسا التي يسعى رئيسها الغارق في مشاكله الدّاخلية إلى فكّ الحصار عن دولته التي تُمنّي نفسها بقيادة أوروبا لصدِّ القوات الرّوسية من أوكرانيا وتجد في سبيل تحقيق ذلك مشاكل كبرى تهدّد سياسة الإتّحاد الأوروبيّ الخارجية بالتّصدع والإنقسام.

وعموما، فإنّ المصالح في السياسة الدّولية هي المعيار والمرجع وليست المبادئ، وهو الفارق الأساس بين حضارة وثقافة العالم الغربي وتلك التّي تتميّز بها حضارات وثقافات أمم أخرى ومنها العالم العربي والأمّة الإسلامية.

والحقيقة أنّ فلسطين ضاعت من العرب والمسلمين لأنّهم لم يكونوا قادرين على مسايرة الغرب في التّنمية ومن ثمَّ في مقارعته بتهديد مصالحه، ولا هم قادرون على الالتزام والتّمكين لمبادئهم وقيمهم فيفرضون إرادتهم على غيرهم ممّن لهم مصالح في بلدانهم.

وبين استكبار الغرب وغطرسته، ووحشية الصّهاينة وإجرامهم، وعجز العرب ورِدّتهم يشهد المجتمع الدّولي هذه الرّداءة والظلم في الحياة اليومية.

لست متأكّدا فعلا هذه المرّة من صحّة المثل القائل ( أن تأتي متأخرا خير من أن لا تأتي أبدا).

* بعد سماعي لتصريح رئيس الحكومة البريطاني الإثنين 21 سبتمبر 2025.

مقالات ذات صلة