الجزائر

عودة “المناشفة” للحكم بـ”البلاشفة”

الشروق أونلاين
  • 1002
  • 0

الثورة السلمية قائمة في الشارع، ولكن: أين هي الثورة في العقول حتى نطمئنّ لها ولروادها؟ أقول هذا لأني لم التقط فكرة واحدة مُبدعة تقدّم بديلاً بعد مرور قرابة شهرين من الحراك، وقد بدأت الدعوة بإسقاط العهدة الخامسة، وأراها رفعت سقف مطالبها حتى رفعت شعار “يرحلو قاع”.

من يرحِّل من؟ كيف؟ ولماذا؟ أسئلة لا تُطرح اليوم بوضوح، وإلا كانت الأجوبة عنها ستفضح دعاة الترحيل الجماعي لشخوص النظام، دون أن يتقدَّم طرفٌ له وجاهة، بعرض البديل الذي يجنِّب البلد حالة الفراغ والتسيُّب، ثم إن الثورة لا تطالب، بل تفعل، فلم تطلب الثورة الفرنسية من لويس السادس عشر الرحيل، بل قطعت رأسَه، ومعه رؤوس أمراء الإقطاع، قبل أن تنتقل لقطع رؤوس الثوار أنفسهم، ولها اليوم نظراء على حدودنا الشرقية في الاقتتال الدائم منذ سبع سنوات بين ثوار ثورة 17 فبراير.

الظاهرة الصّوتية التي انتقلت إلى بلاطوهات التلفزة لم تأتِ بجديد حتى على لسان أساتذة أكاديميين يُفترض فيهم تحكيمُ العقل والمنطق والحكمة، لا هذا التزلّف المشين للشارع، وقد كان بعضُهم يسبِّح بحمد ما كان يصدر عن النظام!

ثمَّة ألفُ قرينةٍ وبيِّنة على أن الذهاب إلى مرحلةٍ انتقالية خارج الدستور هو أقصر طريق لوأد الحراك ودسِّ مطالبه بالتغيير على هون في التراب، مع تغييب الضوابط الدستورية والقانونية لتسييرٍ ميسور للمرحلة الانتقالية، والعودة إلى تحكيم المادتين 7 و8، وما سيظهر فيها من تقاتل بين الأطراف التي تُبدي اليوم كذبا قدرا من التوافق حول نقطةٍ واحدة فقط “ترحيل النظام”، ثم النظر لاحقا في تدبير الأمر، وكأنَّهم يقولون: “اليوم خمرٌ وغدا أمر”. دعونا ننتشي بمظاهر الترحيل المُذلّ لجميع رموز النظام، ثم ننظر لكم في الأمر.

إعمالُ العقل والحكمة في سبيل تطوير هذه الهبَّة الشعبية، وضمان فرص النجاح لها، لا يحتاج إلى أكثر من البحث في طرق تنفيذ المادتين 7 و8 من الدستور لتأطير الانتقال تحت المادة 102؛ إذ يمكن مطالبةُ رئيس الدولة، ومعه البرلمان والمجلس الدستوري بتفعيل المادتين اللتين تسمحان للبرلمان الحالي بالتصرُّف خارج الأحكام الإجرائية، بمراجعةٍ سريعة لقانون الانتخابات، وصياغة قانون جديد ينظم “الهيأة المستقلة لإدارة الانتخابات ومراقبتها”، الأداة الوحيدة القادرة على تأمين الاستحقاق الرئاسي القادم من تهمة التزوير، ثم يُترك للرئيس القادم مسؤولية إدارة مرحلة انتقالية دستورية، تُنفَّذ فيها أغلب مطالب الشارع: سواء من جهة تغيير النظام وبناء الجمهورية الجديدة، بدستور جديد تصوغه هيأة تأسيسية منتخَبة، أو من جهة تطهير مؤسسات الدولة من الفاسدين، بأدواتٍ قانونية لا بأدوات الاستئصال الأحمق الذي يصنع منهم خصوما معوقين للنظام الجديد.

أغلب الظن عندي أن من يتستَّر اليوم خلف مطلب الترحيل الجماعي، واستبدال مسار دستوري بمسار الفوضى، هم ألدّ أعداء مطالب الشارع بالتغيير، أغلبهم من مجتمع الأقلية الذين رفضهم الشعبُ عند بداية التعددية، ولم يرتح لهم بالٌ حتى نُفذ الانقلاب على شرعية الصندوق، وهيَّأ لهم “ضباط فرنسا” هيأة الحكم الانتقالي برئاسة عبد القادر بن صالح نفسه، وقد وصفتُها وقتها في أسبوعية “الصح ـ آفة” بـ”مجلس بلاشفة لنظام مناشفة” وهو ما تطالب به هذه الأقلية مع نفس الشخوص وبنفس الخطاب الاستئصالي المقيت.

مقالات ذات صلة