غرقنا في قطرة ماء؟
عندما تنقل لنا وكالات الأنباء والفضائيات العالمية، أخبار التقلبات الجوية، وتقدّم لنا صور السيول والبيوت الغارقة في الماء، نلاحظ بأنها دائما مقرونة بأسماء لمدن وقرى فقيرة ونائية، لا أحد يسمع عنها، ولكن ما حدث في قسنطينة وهي المدينة الثالثة في الجزائر، والأدهى من ذلك في مدينة علي منجلي الجديدة، عندما قتلت الفيضانات، وجرفت المئات من السيارات، يؤكد بأننا مازلنا نرفض التقدم، ولا نقول نجهل سُبله.
فالمدينة هي مرآة الجزائر في الوقت الراهن، ومكان الفيضان، زاره الوزير الأول عبد المالك سلال، منذ أربعة أيام فقط، والمدينة الجديدة علي منجلي سهر على بنائها رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة، وخصها بخمس عشرة زيارة، وهي تضم حاليا أكثر من ربع مليون نسمة، ومع ذلك تغرق في قطرة ماء، بعد تهاطل أقل من عشرين مليمترا من المطر، شلت حركة المرور وقطعت التيار الكهربائي والماء الشروب وأدخلت مدينة في حجم عاصمة في أزمة مطر، وكانت قبل يوم تعيش أزمة حرّ.
المشكلة ليست دائما في الحدث أو الكارثة، وإنما في ما هو قبله وما هو بعده، فنكاد نجزم بأن رؤساء البلديات في الجزائر لا يهمهم متابعة النشريات الجوية، ولا يعلمون أصلا بأن أواخر الصيف وأواخر الخريف قد يغرقان بلدياتهم، ولا يهمهم الاحتياط لأي طارئ، ونجزم بأنه مهما بلغنا من أرقام في الوفيات والخسائر المادية الجسيمة، فإن المسئولين يبقون بعيدين عن العقاب، وحتى عن اللوم، وكلنا نعلم بأن بعض المسئولين الذين حكموا الجزائر العاصمة في زمن طوفان باب الواد، حصلوا على ترقيات بلغت حمل الحقائب الوزارية، وقد يترقى مستقبلا الذي قدّم للعالم صور عاصمة الثقافة العربية، وهي تغرق في قطرة ماء، على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي وعلى الفضائيات، وهي صور لا تختلف عن فيضانات بنغلاداش وتايلاندا واللاووس وكشمير، حيث يبلغ تساقط المطر هناك ما يقارب الألفي ميليمتر، وهنا بضع ميليميترات.
لا نفهم لماذا تفكر الدولة في التقشف ـ وهي حالة ضرورية وإلزامية ولا خيار لنا فيها ـ قبل أن تفكر في توقيف نهب المال العام وتضييعه، بترك رؤساء بلديات بعضهم أقرب للبلاهة من أن يكون رجلا سويا، ولا نقول كفؤا، تتركهم يعيثون في المال العام ويعرّضون كل هاته الإنجازات التي كلفت البلاد ملايير الدولارات.
قد يكون أحسن تحضير للمواطن ليقبل بالتقشف الذي تأكد دخولنا عالمه في أسوء وأظلم أنفاقه، في القريب العاجل، هو مشاهدته لمسؤولين كبار يضربون بيد من حديد، كل سارق أو غير مبال من بقية المسؤولين.
لقد لعبت مصالح الأرصاد الجوية دورها، فحدّدت مكان وزمان هاته الاضطرابات الجوية، ونقل الإعلام بالتفصيل الممل، نشرات خاصة، ومع ذلك نام هذا المسؤول وذاك، وغرقت البلاد في فيضانات أحدثت خسائر في الأرواح والحيوانات والفلاحة، وعددنا كالعادة خسائرنا.. كما حدث في الحلقات السابقة، وكانت الدولة تسارع لبناء ما جرفته المياه وتعويض ما هلك حيواناته.. لكنها في هاته الحلقات والتي ستليها لن يكون بمقدورها سوى وضع اليد على الخد.. إن بقي لنا يد وخد؟