العالم

غزّة بين الخيانة المصريّة وعمى السلطة

الشروق أونلاين
  • 4579
  • 12
ح. م

جاء المشهد معبّرًا، بل متجاوزًا لأيّ لفظ أو حاجة للتعليق. الرئيس المخلوع حسني مبارك يلقي خطبة عصماء يعدّد من خلالها مآثر عهده ويمجد فترة حكمه، بل يتجاوز الواقع ويتناسى الوقائع، ناسخًا- من خلال منطق المؤامرة- “ثورة” أطاحت به وهزّت ركائز حكمه.

الصورة في بعديها الرمزي والدلالي، (وإن كانت أو هي جاءت جزءا أو ركنا من “محاكمة”) تذهب لتأسيس “عهد جديد” في أرض الكنانة، خصوصا عندما أوصى “الريس” خيرًا بالقيادة المصريّة القائمة، أي “مباركة” حكم المشير عبد الفتّاح السيسي.

على المقلب الأخر من الصورة، وحين كان “العمق الإعلامي المصري” يتابع هذه “الخطبة العصماء”، بقي هذا “العمق” في بعديه الشعبي والإعلامي يتابع ملحمة غزّة ومجزرة المدنيين فيها بعين لا ترتقي البتّة إلى ما قدّمته شعوب أمريكا الجنوبيّة وقياداتها.

مصر تقف على تقاطعات الجغرافيا وانقطاع التاريخ، حين أعطت لنفسها منذ بدء العدوان الصهيوني على غزّة، دور “ساعي البريد” بين الكيان الغاصب من جهة وقيادات فلسطينية تداعت إلى القاهرة كمثل “إخوة يوسف”، بين من أسّس لمقاومة دمرّت قناعات الصهاينة ومن ركب الموج خوفا من عمق شعبي رفع السقف أعلى ممّا هو مطلوب منه وأرفع ممّا تخيلته المحاور المتقاطعة عند أسوار غزّة.

بدا دون حاجة إلى تبيان أنّ مصر التي يحكمها المشير عبد الفتّاح السيسي، عجزت كلّ العجز عن قراءة المعادلة التي أسّس لها العدوان في تجاوز لأزمة المرحلة (المصريّة بالضرورة) ومستلزمات المشهد (الإقليمي) ومتطلبات المعادلة (الدوليّة).

ما يجري راهنًا في مصر وما هو أداء السلطة الحاكمة في القاهرة ليس وليد اليوم أو نتاج الأمس، بل أسّس له المقبور أنور السادات، حين نزل بالصراع الاستراتيجي مع الصهاينة من بعده الوجودي إلى منطق “التحايل” على الجغرافيا (في سيناء) و”التذاكي” على التاريخ، رغبة في “قضم” بعض الوجود ضمن معادلة، لا يمكن أن يتجاوز سقفها ـ بأيّ حال من الأحوال ـ القرار الأمريكي والمصلحة الصهيونيّة. لذلك جاء العقل المصري أو بالأحرى القرار الغريزي (الراهن) أقرب إلى استعادة “أبجديات” الفعل وردّ الفعل المعهودة زمن كلّ من السادات ومبارك، من التأسيس لأيّ رؤية (جديدة) تقطع (وإن كان على مستوى الظاهر) مع عهد “ما قبل الثورة”.

هي أزمة عقل ومعضلة فكرة وإعاقة عن رؤية العالم، خصوصًا غزّة، خارج منظار أسّس له السادات وأكّده مبارك، وباركه السيسي، ورفض مرسي (من باب التذاكي “المرحلي”) المسّ به أو تغييره.

لذلك، بقيت غزّة، الأرض والشعب والمقاومة، ضمن الأبعاد الاستراتيجية لهذه الكلمات، أسيرة جهاز المخابرات، الذي حبس المعادلة، ضمن أبعاد أمنيّة بحتة، دون الرغبة (السيكولوجيّة) أو القدرة (العقليّة) أو الوعي (التاريخي) بأنّ مصر التي فرطت في غزّة إبان العدوان الثلاثي سنة 56 وكذلك حرب 67، مجبرة ـ رغم أنفها ـ على الارتقاء بهذه “القطعة من الأرض” أرفع ممّا هو قائم في دوائر مخابراتها، من رغبة في تدوير الزوايا وتربيع مثلثات التفاوض.

تشترك القيادة المصريّة الراهنة وكذلك الصهاينة ومعيتهم ممّا يسمّى “السلطة الفلسطينيّة” في العجز عن قراءة التاريخ وتفكيك شفرته ومن ثمّة فهم أصوله والتحرك ضمن أيّ منحى “عقلاني” في علاقة بالواقع وفي ترابط بالوقائع.

عجز هذا الثلاثي المترابط عضويّا ودون حاجة إلى تبيان الحبل السري الذي يربطهم بالولايات المتحدة، عن فهم كيف استطاعت غزّة المحاصرة، بين ظلم العدوّ وغدر الصديق، أن تؤسّس لمثل هذه المنظومة التي استطاعت ليس فقط أن تقف أمام “رابع جيش” في العالم، بل ـ وهنا الخطورة ـ أن تمرّغ أنفه في التراب، وتظهر للعالم بأكمله كيف عجز سلاح الجوّ الصهيوني عن “حسم المعركة” وكيف تراجعت “أفضل دبابات” في العالم أمام عبوات “بدائيّة التصنيع”.

لذلك يأتي مشهد المفاوضات الدائرة في القاهرة متناقضا ليس فقط مع صورة الواقع كما هو، بل نقيض المحاور القائمة والجبهات المتصارعة. لا يمكن لأيّ مسؤول مصري مهما علت قدرته على “السفسطة” أن يفسّر عجز مصر (الدولة والقيادة) مغادرة قمقم “مخيّم داوود” وما تبعه من اتفاقات، علمًا وأنّ الصهاينة ضربوا ألف مرّة عرض الحائط بالأسس التي قام عليها “عبور السلام” هذا.

كذلك تأتي “هرولة” السلطة لركوب مطالب المقاومة من باب الخوف من البقاء خارج المعادلة الحاكمة للواقع، وثانيا ـ والأهمّ ـ الحفاظ على “الدور الوظيفي” الذي جاءت من أجله السلطة بأنّ تكون ـ ضمن منطق المناولة ـ “الوسيط” بين احتلال يريد تبييض وجهه وتدجين شعب يريد الانعتاق.

ما جدّ في القاهرة من جمود في المفاوضات ومكوث كلّ طرف عند موقفه، يأتي نتيجة “طبيعيّة” لجدليّة الصراع ـ الوجودي ـ القائم في المنطقة، بل وجب الاعتراف أنّ جبهة الصهاينة ومصر والسلطة، استطاعت منذ قبل المفاوضات تلغيم “الموقع” حين جاء القرار “الرسمي” (الفلسطيني) بالمساواة بين من دفع ضريبة الدمّ وبين من ذرف ـ كالتماسيح ـ دموعا من أجل هذا الدم.

وجب الاعتراف أنّ المقاومة تحتاج أدوات عديدة لتحويل النصر العسكري إلى مكسب سياسي، ومن ثمّة تأتي “السلطة” ضمن هذه الأدوات، حين تأتي أشبه بالقفّاز الذي يرتديه من لا يريد ملامسة الصهاينة أو الحديث معهم. لذلك تؤكد السلطة من هذا “العدوان” دورها “الوظيفي” وتؤدّي مهمّة “الرابط” لا غير، علمًا وأنّ القطب الأمريكي والصهيوني والمصري، يرغب هو الآخر في جعل هذه “السلطة” تؤدّي الأدوار “القذرة” من باب رفض هذا الثالوث التعامل المباشر مع “المقاوم”.

لذلك يأتي فشل “المفاوضات” أمرًا متوقعا، حين رفض ثالوث العدوان ليس فقط الاستجابة لمطالب الشعب الفلسطيني في غزّة، بل في الوعي بالمتغيرات الاستراتيجية على مستوى البنى المؤسّسة للواقع الجديد، أوّلها إصرار المقاومة على “تحرير غزّة بالكامل” ممّا يعني بل يتجاوز البعد المباشر لهذا الإنجاز، ليهدّ “بيت العنكبوت” على من فيه. حينها لن ينفع المشير عبد الفتاح السيسي ـ أمام محكمة التاريخ ـ أن يدلي بتصريح للإعلام كما فعل سابقه حسني مبارك.

لعبة عضّ أصابع وكسر عظم، حسمتها المقاومة في غزّة وأيقن بجدواها العمق الشعبي الفلسطيني في غزّة.

مقالات ذات صلة