الجزائر
بعد ركود دام عقودا من الزمن

غليزان على طريق التحوّل إلى قطب صناعي

سنون علي
  • 2341
  • 0
أرشيف

غليزان.. الولاية رقم 48 في التقسيم الإداري لسنة 1984، تتربع على مساحة 4851.21 كلم 2، تتشكّل من مناطق ريفية تعادل 70 بالمائة من مساحتها الإجمالية، تحصي اليوم ما يقارب 900 ألف نسمة، وورثت غليزان عبئا ثقيلا بعد انفصالها عن ولاية مستغانم، بها 38 بلدية مبعثرة ونائية وفقيرة ومترامية الأطراف، أغلبها مشكّلة من دواوير ومداشر وقرى صغيرة متناثرة، عاش أهلها لسنوات بعد التقسيم الإداري ظروفا صعبة وشاقة، فلا طرقات ولا كهرباء ولا ماء ولا مرافق عمومية ولا.. ولا.. لاسيما بتلك المناطق البعيدة عن مقر عاصمة الولاية، وبالرغم من مجهودات السلطات آنذاك، لم يتغير شيء ولازمت المعاناة الساكنة.
وعندما بدأت الحياة تدب في تلك المداشر سنوات التسعينيات، وصار الناس يخرجون من بوتقة الفقر والعزلة، تسلّط عليها الإرهاب الأعمى، فعاث فيها فسادا، ودفعت الولاية الثمن مضاعفا، فأزهقت أرواح، وحطّمت مشاريع، وهجر العديد من المواطنين مداشرهم، واستقروا في بيوت قصديرية بحواف المدن، فقد فروا من مشقة إلى أخرى، وتراجعت غليزان إلى الوراء سنوات، حتى نعتت بأنها الأخيرة في كل شيء، ولم تقدر السلطات يومها على محو تلك الصورة البائسة، لقلة البرامج ومحدودية الإمكانات.

لقيت منطقة النشاطات ببلدية سيدي خطاب، التي تتربع على مساحة 500 هكتار، اهتمام المستثمرين المحليين وحتى الأجانب، نظرا لموقعها الإستراتيجي الهام، فهي تقع بمحاذاة الطريق السيّار شرق-غرب، وعلى بعد نصف ساعة من ميناء مستغانم عبر الطريق السريع المنجز حديثا على طول 60 كلم، وعلى بعد ساعة واحدة من مطار وهران ومينائها، كلها عوامل عجّلت بنزول المستثمرين للمنطقة.

وكان لا بد من إيجاد حلول عملية لهذا الوضع المزري الذي شمل الكل، فعملت السلطات على إعادة إعمار الدواوير من خلال برامج السكن الريفي وشق الطرقات، إلا أن تحقيق هذا الهدف كان بطيئا، لحاجة الناس لمرافق أخرى كالمدارس والماء والكهرباء والصحة وغيرها من المرافق ليعودوا إلى مسقط الرأس، وهو ما لم تقدر على توفيره السلطات بعد تراجع أسعار المحروقات في تلك الفترة، وفراغ الخزينة العمومية، وضع أرهق السلطات وراحت تفكر في حلول أخرى تعيد بها الأمل للمواطنين.

ألف شخص ذبحوا كالخرفان!
صار الجميع اليوم يتذكر ذلك الخطاب الذي ألقاه الرئيس، عبد المجيد تبون، في أول لقاء له مع الولاة، بعد اعتلائه للرئاسة بعد انتخابات 19 ديسمبر 2019، والنبرة الحادة التي أبداها وغضبه من الوضع الذي يحياه سكان مناطق الظل، بعد مشاهدته الفيديو الذي تضمن تقريرا تلفزيونيا نقل حقيقة ما كان يعانيه الذين عادوا لإعمار مداشرهم بجهة الونشريس، ببلديات سوق الحد والرمكة وحد الشكالة، والتي شهدت مجازر رهيبة راح ضحيتها أكثر من ألف شخص ذبحوا كالخرفان، فقرر يومها الاهتمام بهؤلاء وصب اعتمادات مالية كبيرة لرفع صور البؤس والشقاء عن الساكنة في هذه المداشر، فكان الفرج واستفادت غليزان من غلاف مالي تجاوز 700 مليار سنتيم، للتكفل بحاجيات سكان 707 منطقة ظل، يقطنها حوالي 308 ألف نسمة، من أجل تثبيتهم في مداشرهم، ورفع كل صور المعاناة عنهم وعن أبنائهم المتمدرسين، من خلال برامج إيصال المياه والكهرباء والغاز والصرف الصحي والطرقات، وتوفير النقل المدرسي والإطعام والتدفئة وغيرها، وهو ما لا ينكره أحد اليوم.

وعندما بدأت الحياة تدب في تلك المداشر سنوات التسعينيات، وصار الناس يخرجون من بوتقة الفقر والعزلة، تسلّط عليها الإرهاب الأعمى، فعاث فيها فسادا، ودفعت الولاية الثمن مضاعفا، فأزهقت أرواح، وحطّمت مشاريع، وهجر العديد من المواطنين مداشرهم، واستقروا في بيوت قصديرية بحواف المدن، فقد فروا من مشقة إلى أخرى، وتراجعت غليزان إلى الوراء سنوات.

وما كان مستحيلا في بداية عهدة الرئيس، صار واقعا اليوم، بعد تجسيد جميع تعهدات الرئيس في إخراج ساكنة مناطق الظل من كل صور الغبن والمعاناة التي عاشها هؤلاء في السنوات الماضية، نتيجة سياسات معينة، وها هي نتائج العمليات والبرامج التي وجّهت للقاطنة بهذه المداشر والدواوير بدأت تظهر في الميدان، وفي كل المجالات، وتجسّدت الكثير من المشاريع التي كان يطالب بها السكان من إيصال للماء الشروب، وربط بقنوات الصرف الصحي والكهرباء وشق الطرقات وتهيئتها بالخرسانة الزفتية، وحتى الفرعية منها، بالإضافة إلى الإنارة العمومية والتحسين الحضري، والربط بالغاز والمرافق الشبانية.
ووقف الوزراء الذين زاروا غليزان في الفترة الأخيرة، على هذا التطور، وشكروا السلطات على المجهودات المبذولة وعملها على تجسيد التزامات رئيس الجمهورية، بل لمسوا نية صادقة لدى المسؤولين في مختلف المواقع من أجل خدمة سكان المناطق البعيدة والنائية وما يعرف بمناطق الظل، بعدما حظي سكانها بجميع الضروريات من ربط بالماء وقنوات الصرف الصحي والعيادة وتهيئة للطرقات، وأن ما أنجز لا يستهان به، وأن ما بقي اليوم يعرف نفس وتيرة الإنجاز وحسب الأولويات.

الولاية الفلاحية صارت قطبا صناعيا
تتميز ولاية غليزان بطابعها الفلاحي وخصوبة أراضيها، وهي تتربع على مساحة 297387 هكتار تستغل منها حوالي 60 بالمائة، ذات زراعة متنوعة، أهمها زراعة الحبوب بمناطق منداس، أولاد يعيش، عمي موسى والظهرة، فيما باقي الأراضي عبارة عن أشجار مثمرة مختلفة عبر سهول مينا والشلف الأسفل المسقية انطلاقا من مخزون سدي “السعادة” و”قرقار” و”مرجة سيدي عابد”، والتي أثّر عليها الجفاف بعد شح الأمطار، فانعكس ذلك سلبا على الفلاحين، فتركوا العمل الفلاحي والزراعة بعدما تكبّدوا خسائر كبيرة خلال المواسم الثلاثة الماضية.

ورثت غليزان عبئا ثقيلا بعد انفصالها عن ولاية مستغانم، بها 38 بلدية مبعثرة ونائية وفقيرة ومترامية الأطراف، أغلبها مشكّلة من دواوير ومداشر وقرى صغيرة متناثرة، عاش أهلها لسنوات بعد التقسيم الإداري ظروفا صعبة وشاقة، فلا طرقات ولا كهرباء ولا ماء ولا مرافق عمومية ولا..ولا..لاسيما بتلك المناطق البعيدة عن مقر عاصمة الولاية.

وبعد تراجع الإنتاج الفلاحي بولاية غليزان خلال السنوات الماضية، توجّهت السلطات للاستثمار في القطاع الصناعي، وأنشأت مناطق نشاطات صناعية بكل البلديات الكبيرة، ولقيت منطقة النشاطات ببلدية سيدي خطاب، التي تتربع على مساحة 500 هكتار، اهتمام المستثمرين المحليين وحتى الأجانب، نظرا لموقعها الإستراتيجي الهام، فهي تقع بمحاذاة الطريق السيّار شرق – غرب، وعلى بعد نصف ساعة من ميناء مستغانم عبر الطريق السريع المنجز حديثا على طول 60 كلم، وعلى بعد ساعة واحدة من مطار وهران ومينائها، كلها عوامل عجّلت بنزول المستثمرين للمنطقة، وصار الحلم حقيقة بعد انطلاق أشغال مشاريع عديد المصانع في الصناعات النسيجية والصلب والحديد والصناعات التحويلية وتركيب السيارات وغيرها، غير أن بعضها لقي صعوبات وتراجع أصحابها، فتدخلت السلطات واسترجعت العقار من المتقاعسين الذين أخلوا بدفتر الشروط، فيما راحت ترافق أصحاب النوايا الصادقة، وعمل الولاة الذين تعاقبوا على غليزان على تذليل الصعوبات التي اعترضت المستثمرين الحقيقيين، وهو ما تجسّد بأول مركب ضخم للصناعات النسيجية بشراكة تركية – جزائرية “طيال” ومصنع آخر لتحويل المواد الفلاحية “لابال” مما سمح بخلق مئات مناصب الشغل لبناء الولاية.

“مجمع طيال”.. نموذج للشراكة الناجعة
مركب النسيج المدمج “طيال”، والذي يتربع على مساحة 30 هكتارا، من المشاريع الكبرى ذات القيمة المضافة التي من شأنها خلق مئات مناصب الشغل لشباب المنطقة، كما يعد أحد أكبر وأحدث المركبات الصناعية للنسيج بمنطقة شمال إفريقيا، وهو أول مصنع في الجزائر تشغّل آلاته إلكترونيا، أو ما يعرف بالجيل الثالث، لاستخدامه أحدث التكنولوجيات في التصنيع والصيانة، يشغل اليوم أكثر من 1523 عامل في وظائف النسيج والخياطة وإدارة الآلات والصيانة وغيرها، وسيصل عدد العمال إلى 10 آلاف عامل في آفاق السنوات القادمة، ليساهم اليوم في تحسين نوعية المنتوجات النسيجية، ويؤكد عودة صناعة النسيج ببلادنا إلى عهدها السابق، إلى جانب مساهمته في تطوير شبكة المناولة، كونه من المشاريع الكبرى التي تعول عليها الدولة، لخلق قيمة مضافة في مجال الاستثمارات خارج المحروقات، وبالتالي، تقليص فاتورة الاستيراد والتوجّه نحو التصدير، ودخل مجمع “طيال” الخدمة منذ سنة 2018، واليوم صارت له عقود شراكة مع أكبر شركات الألبسة في العالم، شرع منذ سنوات في تصدير الخيط والأقمشة وسراويل الجينز لدول أوروبية وعربية، ويتجه اليوم للسوق الإفريقية.

الصناعة التحويلية تسجل حضورها
مجمع المصبرات الكبرى “دحماني لابل”، الذي دخل الخدمة منذ سنتين بمنطقة النشاطات الصناعية بسيدي خطاب، مثال حقيقي لنجاح الصناعة التحويلية في بلادنا، بفضل التسهيلات التي منحها رئيس الجمهورية للمستثمرين، وفتح لهم كل الأبواب من أجل تجسيد مشاريعهم، بل أمر بمرافقتهم وتذليل جميع الصعوبات التي قد تعترضهم، وهو ما تجسّد في دخول هذا المصنع حيز الخدمة، وشروعه في تحويل كل المواد الفلاحية، بداية بتصبير الطماطم ثم الفواكه وحتى الخضروات، حيث تبلغ طاقته الإنتاجية 3500 طن من الطماطم المصبرة و800 طن من الفواكه في اليوم، هذا الإنتاج من الطماطم الصناعية المصبرة يباع للمحولين، ويمكن أن يوفّر في السنوات القادمة 4500 منصب عمل لأبناء المنطقة، بدخول الوحدات التحويلية الأربعة حيز الخدمة، كما أن هذا المصنع رفع الغبن عن الفلاحين الذين كانوا يرمون إنتاجهم من الطماطم في المزابل عندما يفشلون في بيعها للمصانع البعيدة عنهم، وكشف بعضهم لـ”الشروق”، أن هذا المجمع الضخم بغليزان، قد باشر عملية التعاقد مع كل الفلاحين بولايتي غليزان وعين الدفلى وحتى معسكر لشراء كل منتوجاتهم الفلاحية من خضر وفواكه، وهو ما سيساعدهم على مضاعفة المجهودات والزيادة في الإنتاج سنة بعد سنة، بفضل التسهيلات التي يوفرها المجمع للفلاحين الصغار والكبار منهم، تحت شعار “رابح/ رابح” هذا بدون الحديث عن آلاف المناصب غير المباشرة التي خلقها المجمع منذ بداية النشاط.

الكرة في مرمى “الأميار”
ووقّعت، مؤخرا، إدارة جامعة “أحمد زبانة” بولاية غليزان، اتفاقية تعاون مشترك مع مجمع النسيج التركي – الجزائري “طيال” في مجال التكوين والبحث العلمي، ما سمح لطلبة الجامعة بالاستفادة من التربصات النهائية لإنجاز مذكرات التخرج، وبإشراف أكاديمي ومهني مزدوج، كما نصّت بنود هذه الاتفاقية بشكل أساسي على تنظيم دورات تعريفية داخل المصنع، ودعم الطلاب في تنفيذ مشاريعهم في نهاية الدراسة، مع إمكانية اندماجها في وحدات إنتاج الشركة، في إطار إستراتيجية المصنع التنموية الرامية إلى تطوير النسيج الاقتصادي المحلي والوطني، بهدف دعم الطلبة بوسائل البحث النظرية والتطبيقية، إلى جانب حصول الطلبة المتفوقين وأصحاب المهارات العالية على فرص التوظيف في جميع وحدات المركب وفي مختلف التخصّصات.

دخل مجمع “طيال” الخدمة منذ سنة 2018، واليوم صارت له عقود شراكة مع أكبر شركات الألبسة في العالم، شرع منذ سنوات في تصدير الخيط والأقمشة وسراويل الجينز لدول أوروبية وعربية، ويتجه اليوم للسوق الإفريقية.

وتواصل السلطات الولائية بغليزان مساعيها لحث المنتخبين بالبلديات على المساهمة في عجلة التنمية على مستوى بلدياتهم، من خلال التفكير في خلق الثروة محليا، مقترحة على الجميع البحث عن مصادر تمويل أخرى، وبالتالي، الدفع بعجلة التنمية المحلية، مع وجوب إشراك وسائل الإعلام في العملية وتغيير طريقة الطرح واختيار خطاب بسيط يناسب الجميع، مقترحة، مثلا، الاستثمار في النفايات باعتبارها موردا اقتصاديا هاما يدر الملايين من الدينارات على البلديات، ويساهم في القضاء على تلك الصور المشينة التي شوّهت المنظر العام للمدن.

مقالات ذات صلة