غنيت أمام 35 رئيسا وملكا وأطربت القذافي وبورقيبة فشكرني بومدين
أحب الموسيقى وفن المالوف، فأعطاهما من جهده ووقته الكثير.. وبدورها، أعطته الموسيقى حب الناس وبريق الشهرة والنجومية الذي انعكس جوائز وتكريمات وطنية ودولية.. وفي عمر السبعين، لا يزال صوته قادرا على حشد الجماهير، وإمتاع الرؤساء والملوك بفن خالد، يحمل عبق التراث وسحر الأندلس المهرّب في موشحات وقصائد ما زالت تغنى في عصر الأغنية التجارية الخفيفة.. إنه الفنان حمدي بناني “الملاك الأبيض”، ابن مدينة عنابة، الذي لا يغادرها إلا ليعود إليها مشتاقا..
مسيرتك الفنية الطويلة تبتدئ من الخمسينات، ماذا بقي في الذاكرة من حكايات الطفولة والمدرسة في عنابة؟
أحداث كثيرة وذكريات أكثر، أذكر مدرستي الابتدائية (الماترنال)، حاليا تحمل اسم الشهيد مصطفى بن بولعيد، وأذكر حفلات المدرسة التي كنت أشارك فيها، كنا نؤدي الأناشيد باللغة الفرنسية، كما كنت أمارس رياضة الملاكمة مع المدرب جمال بن عثمان ومارست أيضا رياضة الجيدو لفترة.
هل عانيت تمييزا أو صعوبات مع معلميك الفرنسيين؟
لقد فرضنا أنفسنا فرضا، والحقيقة تقال إن هنالك فرنسيين ساعدونا ولم يكونوا عنصريين.. أذكر أنني شاركت عام 1956 في مسابقة لاختيار أجمل صوت، وفزت بالجائزة الأولى بعدما أديت أغنية باللغة الفرنسية.
وأين توقف مسار الدراسة؟
توقّف في المرحلة الثانوية، وتحديدا في “الثانوية التقنية”، التي ما زالت تحمل هذا الاسم إلى اليوم. تدربت في مجال الكهرباء والبناء. وكنت أميل كثيرا إلى الحدادة التي برعت فيها.. (يضحك.. كدت أصبح حدادا) ثم غادرت المدرسة.
وماذا فعلت بعد المدرسة؟
بعد الاستقلال حصلت على وظيفة في الصندوق الجهوي للقروض الفلاحية الذي كان مقره في منطقة الطابكوب، فأصبحت أعمل وأغني.
أنت من عائلة فنية، من دعمك أكثر من محيطك الأسري؟
أجل.. نشأت وسط عائلة فنية، توارثت فن المالوف الذي يسري في دمها. والفنان القدير “محمد الكورد” عمي، ولكنه توفي في الخمسينات، فلم أتعلم على يديه شيئا للأسف.
الوالدلن كانا متفهمين اختيارك لطريق الفن؟
أبي لم يمانع، ولكن والدتي كانت رافضة للأمر تماما في البداية، وكسرت القيتار على رأسي، وطالبتني بالتوقف عن الغناء والاهتمام بدراستي.
في أي سنة حدث هذا؟ ولماذا كانت رافضة؟
عام 1957، كانت تخشى عليّ من الانحراف، ومن أن يجرفني الوسط الفني نحو المحرّمات، تعرفين أن الوسط الفني فيه سهرات، وتنقلات كثيرة، والعمل في الليل بالتأكيد يختلف عنه في النهار، وفي الحقيقة أكثر ما كان يخيف أمي “الخمر”، فاستهلاكه كان منتشرا بقوة في السنوات الأولى للاستقلال، وقد تحوّل الأمر بالنسبة إليها إلى هاجس مخيف، فكان علي كسب ثقتها.
وهل حققت لها أمنيتها بتجنب الخمر؟
أجل.. لقد وعدتها، ووفيت بوعدي، فأنا لم أشرب الخمر في حياتي، ولم أدخن سيجارة واحدة.
جيد، وهذا ملائم أيضا للصحة، هل هو سر الحفاظ على صوتك الجميل؟
أجل.. بالتأكيد، الابتعاد عن المسكرات والتدخين من شأنه الحفاظ على سلامة الحنجرة والحبال الصوتية، ولكن السر يكمن أيضا في النظام الغذائي المتوازن، والرياضة. أمارس رياضة المشي بانتظام، ومارست التنس. لذلك أنا أنصح المطربين الشباب بالحفاظ على نعمة الصوت، بتجنب التدخين والإجهاد.
قليلون هم المطربون الذين يستمرون في الغناء بعد الستين، لأن أصواتهم تضعف، ولكنك ما زلت تعتلي المسرح وتغني بكل قوة، ما السر في ذلك؟
(يبتسم)، السر في اكتساب التقنيّات اللازمة مع مرور الوقت، وتراكم الخبرة، فأنا تعلمت تقنية التحكم في طبقات صوتي، متى أرفعه، ومتى أخفضه، من دون إرهاقه. وهنا أتذكر حادثة طريفة وقعت لي مع قائد أوركسترا في روسيا، وكنت لا أزال شابا، حيث كنا نجري التدريبات المطلوبة قبل انطلاق الحفل، كنت أغني “للاه يا حمام” فرحت أرفع من طبقات صوتي، لأريهم قدراتي.. ولكن بعدما انتهيت نصحني المايسترو أن لا أفعل ذلك دائما، لأني ألحق الضرر بصوتي وأن علي التحكم في الطبقة المطلوبة لا أكثر.
خلال مرحلة تعليمك لم تتحدث عن الموسيقى، أين تعلمتها إذن؟
في الحقيقة، بدأت الغناء من دون تلقي دروس في الموسيقى، فأنا خريج مدرسة الشارع، كنت أغني مع الأصدقاء في سهرات صيد السمك وفي المناسبات الخاصة والأفراح، وبدأت موهبتي تنضج وتبرز مع مرور السنوات، حتى اتضحت الرؤية لدي، وأدركت أنه لا يمكنني الابتعاد عن عالم الغناء والطرب، فدرست بعدها قواعد السلم الموسيقي، بدءا من عام 1964 في مسرح عنابة على يد الأستاذ المرحوم بوشامة. وبالطبع أتقنت أيضا العزف على الكمان والعود… وفي النهاية الموسيقى لغة عالمية، وهي وسيلة التواصل مع الآخرين عندما نسافر إلى الخارج.
مسيرة فنية طويلة عاصرت خلالها كثيرا من عمالقة الفن العربي.. ما الذي جمعك مع الفنان اللبناني الراحل وديع الصافي؟
التقيته في باريس، كنا بصدد تسجيل عمل لفائدة قناة فرنسية في حصة بعنوان “موزاييك”، حيث كانت الحلقة مخصصة للموسيقى العربية، وبالطبع هو لم يكن يعرفني، ولكنني اكتشفت أنه كان يراقبني في الكواليس وأنا أتدرب على أغنية “لفطيمة روح يا ابن الورشان”، وأبهر بالأداء والنوع الموسيقي الذي كان اكتشافا بالنسبة إليه، وعبّر عن إعجابه بالطريقة التي نؤدي بها هذا النوع من الموسيقى الأندلسية في الجزائر، خاصة المزج الذي قمت به بين الفلامينكو والمالوف. وبالمناسبة هذا النوع ينسب إلى الإسبان ولكنه عربي في الأصل، وحتى تسميته تعني في الأساس “أنا فلاح منكم”، فبعد سقوط الأندلس استولوا على كل شيء يخص العرب.. أما بالنسبة إلى وديع الصافي فلم ينقض البرنامج إلا ونحن متفقان جدا.. وأدينا معا أغنيته الشهيرة “الليل يا ليلى”. وبالمناسبة، سأصدر هذه الحفلة قريبا لتكون في متناول الجمهور.
على ذكر سيرة التعاون الفني، شاركت اليهودي “كلود النقاش” في ألبوم غنائي، وحفلاتك في فرنسا يحضرها اليهود بقوة، ألم تخش من سوء الفهم وحساسية العلاقة مع كل ما قد يرتبط بإسرائيل؟
أرى أنه يجب أن لا نخلط بين الدين اليهودي والصهيونية، وفي الجزائر عاش معنا اليهود زمنا طويلا، وبعض العائلات اليهودية ساهمت في الحفاظ على هذا التراث الموسيقي. أما العلاقة مع “كلود” وإخوته فبدأت في السبعينات، وهم الذين بحثوا عني عندما سمعوا بتواجدي في فرنسا، فغنينا في بعض الحفلات معا، وهم في الحقيقة لا علاقة لهم بإسرائيل أو بالصهيونية. أما تأثرهم بالموسيقى الأندلسية عموما فأخذوه عن والدهم “ألكسندر النقاش” الذي كان شيخا معروفا، وهو بدوره تعلم على يد عبد القادر تومي في قسنطينة.
ولماذا اتصلوا بك؟ هل هو الحنين إلى الجزائر؟
أجل.. فالوجود اليهودي في الجزائر كان حقيقة وليس خيالا، ولكنهم اختاروا المغادرة بعد الاستقلال، وهذه أمور تاريخية معروفة، وفيهم من توّرط مع فرنسا، ومن غادر وهو يحن إلى أيام الجزائر.
ولكن اليهود يتمادون في نسب موسيقى المالوف إليهم؟
لا ننفي أن هنالك تمازجا في الثقافات، ولكن اليهود في الجزائر تعلموا على أيدي العرب، والشيخ “ريمون” أخذ فن المالوف عن شيوخ قسنطينة، وليس العكس. أما حضورهم للحفلات فنابع من حبهم لهذا النوع الموسيقي الراقي، بحكم البيئة التي تربى فيها كبار السن بالخصوص. وهنا تراودني صورة امرأة يهودية حضرت إحدى حفلاتي في فرنسا مرتدية لباس “القندورة” المعروف في الشرق الجزائري، وتضع على رأسها “محرمة الفتول” كانت تبدو امرأة قسنطينية أو عنابية تماما، ولكنها يهودية فرنسية، في النهاية هنالك تراث مشترك. وما تفعله الحكومة الإسرائيلية من جرائم في حق الفلسطينيين هو الذي يساهم في تشويه اليهود ويسبّب مزيدا من الكراهية لهم عبر العالم، فالصهيونية هي السبب.
بعيدا عن اليهود ومشاكلهم، لديك سجل حافل مع الرؤساء والملوك، حتى إن رئيس كوريا الشمالية لقبك بالملاك الأبيض، كيف حدث ذلك؟
عام 1984 غنيت في الاتحاد السوفيتي، ونلت جائزة التميز في المهرجان العالمي للموسيقى الكلاسيكية للسلم في العالم، فلقبت برجل السلام. وبعدها سافرت إلى كوريا الشمالية لإحياء حفل بمناسبة ذكرى ميلاد الرئيس “كيم إلسون”، وكنت قد طلبت من مترجمته أن تلقنني عبارات لتهنئته بعيد ميلاده الـ75 بالكورية، وبعد انتهاء وصلتي وقف وحياني، وقال إني مثل الملاك الأبيض، لأنني كنت أرتدي طقما أبيض اللون. ومن يومها حملت هذا اللقب.
وما قصة الكمان الأبيض؟
كانت الفنانة الفرنسية “كاترين لارا” الوحيدة التي تمتلك كمانا أبيض، عندما عرفت ذلك قررت امتلاك واحد لتكتمل الطّلة، وبالفعل طلبت من الشركة المصنعة ذلك، واشتريته عام 1984 بمليون فرنك فرنسي، لأنه مصنوع من خشب نادر، وأنا الثاني الذي أمتلكه في العالم. به ميكرفون صغير، ومنقوش عليه اسمي.
لديك آلات كمان أخرى لكنه المفضل؟
نعم لدي ست كمنجات، من بينها الكمان الأسود الذي كان ملكا لعمي “محمد الكورد” وعمره يزيد عن الـ 120 عاما، ولكن الأبيض هو المفضل.
وماذا عن الرؤساء العرب؟
لقد غنيت أمام 35 رئيسا لدول صديقة للجزائر (آخرهم الرئيس اليوناني الذي زار الجزائر منذ أيام)، وفيهم كثير من الرؤساء العرب، من حافظ الأسد، إلى ملك الأردن السابق، وبورقيبة، والقذافي، وزين العابدين بن علي، هواري بومدين، والشاذلي بن جديد وعبد العزيز بوتفليقة.. والقائمة طويلة..
مَن مِن الرؤساء كنت تشعر أنه يتذوق النوع الذي تؤديه أكثر؟
الرئيس التونسي الراحل بورقيبة، وكذلك معمر القذافي، أذكر أنه طلب من مسؤول التشريفات لديه تسجيل أغنية “قالوا لعرب قالوا”- مرثية صالح باي- التي كنت أديتها أمامه بحضور الرئيس الراحل هواري بومدين في فندق المنتزه بسرايدي في عنابة عام 1978.
ويومها تحدثت مع الرئيس بومدين وقال لي عبارة باللغة الفرنسية ما زالت ترن في أذني.
les algériens sont les enfants terribles du monde
أسّست علاقة مميزة مع جاليتنا في فرنسا، ألم تفكر يوما في الاستقرار هناك؟
أبدا، لم تراودني هذه الفكرة مطلقا، أغني هناك نعم، لكن أن أستقر فلا. ولا أخفيك أن الأمر عرض علي منذ السبعينات، ولكن لا أستطيع العيش بعيدا عن مدينتي ووطني. أما الحفلات فأحييها امتثالا لرغبة جاليتنا الكبيرة هناك. وصدقيني عندما أغني في فرنسا أشعر بالحنين الذي يغمر الجماهير.. عندما أغني كلمات من قبيل “توحشت بلادي، زاد الضر علي.. أنا براني غريب.. لا من سال علي”.. لا تتصوري كيف تنفجر القاعة حنينا.. فظروف أفراد الجالية تختلف وأسباب غربة أفرادها متعددة.. ولكن الوطن في القلب.
أغنية المالوف، ترتكز على القصائد الطويلة والنغمات الرصينة، كيف حقّقت معادلة الحفاظ على الأصالة واستقطاب جمهور الشباب؟
السر يكمن في التطوير الذي بدأته منذ السبعينات، فالمزاوجة بين الفلامينكو والمالوف كانت ناجحة، كما أنه ليس من الممكن أن نغني الآن قصيدة تستغرق ساعة ونصفا، لذلك بتنا نختصرها في ربع ساعة أو عشرين دقيقة. فالتحكم في الأداء وتطويعه مهم.
بين العمل والحياة الخاصة، كيف تسير الأمور؟
في الحقيقة، الفن سرقني كثيرا من عائلتي وولديّ، وزوجتي تحمّلت كثيرا، فأنا لم أستمتع برؤية ابني وابنتي يكبران أمامي بسبب العمل وكثرة السفر. مهنة الفنان ليست سهلة، وقلق مواجهة الجمهور لا يزول رغم السنوات الطوال، لذلك ينبغي التحضير الجيد لأي عمل. وابني كمال أصبح يعمل معي في الفرقة منذ زمن، فهو موهوب ويمتلك قدرات على غرار العديد من شبابنا الذين سيحملون مشعل الحفاظ على التراث الموسيقي الأندلسي.
فرقتك تضم مواهب واعدة، كم عازفا لديك؟
ثمانية عازفين، وهم شباب رائعون وموهوبون حقا، ويلتزمون بالتعليمات والنصائح التي أسديها، فبالنسبة إلي الانضباط مهم جدا من الهندام إلى الأداء، وفي الحقيقة كلهم ملتزمون.
كلمة أخيرة
الشكر الجزيل لجريدة “الشروق”، والتحية الطيبة لجمهوري ولجميع القراء.