فائزون من دون مشاركة
عندما كان الجزائريون من أنصار ولاعبين، في المباريات الإفريقية والعربية والعالمية التي تُوّجوا بها وتألقوا، يلوّحون بالأعلام الفلسطينية، كان الكثيرون يستهجنون الحالة، ويعتبرونها قرعا في أذن ميّت، أو كمن يؤذن في الكنيست، بل إن الظاهرة ووجهت بانتقاد شديد، حتى في الداخل، من الذين اجتهدوا على حسب تفكيرهم، وخلصوا إلى أن الأمر أشبه بالتهريج، على اعتبار أن الانتصار الحقيقي يكون اقتصاديا وعلميا وعسكريا فقط، لكن ردود الفعل الغربية التي ظهرت بعد أن بدأت منافسة كأس العالم تلفظ أنفاسها الأخيرة في فرنسا وإنجلترا والولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا، تؤكد بأن كل علم لفلسطين يُرفع في ملاعب قطر، أشدُّ إيلاما من صواريخ “أبابيل” و”الشهاب” التي تطلقها فصائل المقاومة على الجيش المحتل.
يعشق الإسرائيليون، مثل كل شعوب العالم، لعبة كرة القدم، وقد تعوّدوا منذ أن زرعوا كيانهم على أرض فلسطين أي منذ كأس العالم في البرازيل سنة 1950، وخاصة في كأس العالم سنة 1974 في ألمانيا الغربية، أن يحملوا رايتهم، ويدسّوها مع مشجعي الدول الأوروبية كما حدث مع أنصار هولندا، أو حتى مع لاعبين أفارقة كما حدث مع اللاعب الغاني “جون بانستيل”، الذي احتفل بفوز منتخب بلاده على جمهورية التشيك في مونديال 2006 بحمل علم الكيان الصهيوني، لكنهم هذه المرة تابعوا منافسة كأس العالم وفي القلب غصّة؛ فكلما مالت قلوبهم نحو منتخب أو لاعب، إلا وأزعج ناظرهم علمُ فلسطين، وانتقل العلم من المشجِّعين إلى اللاعبين، إلى أن تحوّل المونديال إلى كابوس مزعج ومخيف، يعدّون الأيام لأجل نهايته، وهم يسعون لأجل أن لا يتكرّر هذا “الخطأ” بمنح تنظيم كأس العالم لبلدٍ عربي أو مسلم، حتى لا يصبح “مرض العلم الفلسطيني” الذي طعن الجسد الصهيوني، مزمنا.
حادت الكثيرُ من البرامج الرياضية في أوربا عن مسارها الرياضي في الأسابيع الأخيرة من منافسة كأس العالم، فقد قيل سابقا إن حمل العلم بالنسبة للجمهور الجزائري، هو استثناء، من بلدٍ يرفض أي عملية تطبيع مع الكيان المحتل، ولكنهم وجدوا أنفسهم أمام حقيقة وقاعدة، وهي أن العلم الذي أحرقته ذات حرب، غولدا مايير، موجودٌ في كل بيت عربي وربما في كل حقيبة وخزانة، وبأن ما يقال في القصور وعلى مسامع الزعماء الإسرائيليين من ملوك وأمراء التطبيع، هو مجرد كلام لا تزيد صلاحيته عن عمر رَشَاش لُعاب قائله.
كأس العالم هو رحلة كروية جميلة أشبه بالقطار الذي يسير إلى هدف ما، وفي كل محطة ينزل الكثير من الراكبين إلى أن يبلغ المحطة الأخيرة، ويبقى في مقصورته الرئيسية منتخبان كما هو الشأن حاليا مع فرنسا والأرجنتين، ولن يعود في قطار الانتصار إلا منتخب يمثل بلدا واحدا. لكن في رحلة قطار قطر، عاد بعلم فلسطين، تماما كما بدأ في رحلة الانطلاق.