الجزائر
1744  حادث حافلات في 2025 والعامل البشري وراء أكثر من 92 بالمئة منها

فاجعة بومرداس… دعوات إلى تشديد الرقابة واعتماد بطاقية رقمية للحافلات وإنشاء خلية لتحليل الحوادث الكبرى

نادية سليماني
  • 148
  • 0

لا تزال فاجعة الحادثة التي أودت بحياة 28 ضحية، في حادث مرور مأساوي بولاية بومرداس تثير التفاعل، وخصوصا بعد ظهور النتائج الأولية للتحقيقات الأمنية، التي ربطت أسباب الحادث بعوامل بشرية، وعلى رأسها السرعة المفرطة. وهو ما جعل مختصين ينادون بضرورة تفعيل إجراءات وقائية لتفادي حوادث كهذه مستقبلا.

ويعتبر رئيس الأكاديمية الوطنية للسلامة المرورية والأمن عبر الطرق، علي شقيان، أنه من خلال تحليلنا للنتائج والإحصائيات نلاحظ أن مؤشر حوادث المرور يعرف “ارتفاعا رهيبا خلال موسم الاصطياف، حيث تكثر المجازر المرورية خلال فصل الصيف، وخاصة لدى حافلات نقل المسافرين والعائلات والتي يزداد تنقلها بسبب العطلة”.

وقال شقيان في تصريح لـ ” الشروق”، بأن الطرقات تشهد حركية كبيرة مابين الولايات وخاصة في المدن الساحلية صيفا، كما ترتفع كثافة المرور وعدد الرحلات التي تقوم بها حافلات نقل المسافرين، ما يجعل، بحسب قوله، النقل الجماعي من بين المسببات الأولى في تسجيل الحوادث الجماعية في الطرقات. كما أن العامل البشري يمثل أكثر من 92 بالمئة في أسباب الحوادث المرورية، بينما تشكل المركبة وحالة الطرقات نسبة قليلة فيها.

شقيان: الحافلة تحمل عشرات الأرواح والمسؤولية لا تقع على السائق وحده

والمؤسف، بحسب علي شقيان، أنه في حوادث الحافلات، لا تكمن الخطورة في وقوع الحادث فقط، وإنما في عدد الأشخاص المتضررين من وراء هذا الحادث. وأضاف “رغم أن العامل البشري يعد من أهم حلقات سلسلة الخطر المروري، لكن لا يجوز اختزال الحادث في السائق وحده”.

وقال رئيس الأكاديمية الوطنية للسلامة المرورية والأمن عبر الطرق، بأن عديد الأسباب تجتمع في الحادث المروري ومنها: السرعة، التعب والإرهاق، عدم احترام مسافة الأمان، التجاوزات الخطيرة، استعمال الهاتف، سوء تقدير المنعرجات، حالة الطريق، الأحوال الجوية، الحالة التقنية للمركبة، الحمولة وتوزيع الركاب، وكذلك تنظيم الرحلة ومراقبة الناقل.

 في النقل الجماعي المسؤولية تتوزع

أما في النقل الجماعي تحديدا، “فيجب أن تكون المسؤولية موزعة بين السائق والناقل والمراقبة التقنية والجهات المكلفة بالرقابة وتنظيم النقل”.

ولأن محدثنا، كان من أوائل المتنقلين إلى مكان الحادث ببومرداس، ومن ملاحظته لحالة الحافلة المقلوبة ووضعية الضحايا، وهو ما جعله يضف الواقعة بـ “المأساة الإنسانية”.

ضيافي: وفاة السائق تنهي الدعوى العمومية ولا تسقط حق الضحايا في التعويض

وللحد من هذه المآسي المرورية المتكررة التي تحصد عشرات الأرواح، يرى المختص في السلامة المرورية علي شقيان، أن أسباب حوادث حافلات نقل المسافرين تكاد تتكرر في كل حادث، ويمكن حصرها في جملة من العوامل البشرية والتقنية والهيكلية. ويأتي في مقدمتها السرعة المفرطة أو غير الملائمة لطبيعة الطريق، خاصة عند المنعرجات والمنحدرات، إلى جانب إرهاق السائق الناتج عن قلة النوم أو مواصلة القيادة لساعات طويلة دون أخذ فترات راحة كافية.

ويضيف المتحدث، أن عدم احترام قواعد التجاوز ومسافة الأمان، والسرعة داخل المنعرجات، يؤديان في كثير من الأحيان إلى فقدان السيطرة على الحافلة، كما تلعب الأعطاب التقنية، لاسيما تلك المتعلقة بالمكابح والإطارات ونظام التوجيه والتعليق، دورا مباشرا في وقوع الحوادث، خاصة عندما يتعلق الأمر بحافلات قديمة لا تخضع للصيانة الدورية اللازمة.

ولا تقتصر الأسباب، بحسبه، على العامل البشري أو التقني، بل تشمل أيضا الحمولة الزائدة أو سوء توزيع الركاب والأمتعة، إلى جانب ظروف الطريق، كوجود المنعرجات الحادة والانحدارات والنقاط السوداء، وضعف التشوير والإنارة، فضلا عن الضغط الكبير الذي تعرفه الرحلات الموسمية خلال فصل الصيف، وما يرافقه من تراجع في الالتزام بقواعد السياقة المهنية وضعف الرقابة على تطبيقها.

قانون المرور الجديد… رهان حقيقي للوقاية

وأكد شقيان، أن قانون المرور الجديد يمثل رهانا حقيقيا للانتقال من ثقافة التدخل بعد وقوع الحادث إلى ثقافة الوقاية الاستباقية، موضحا أن نجاح هذا الرهان لا يتوقف على تشديد العقوبات فحسب، وإنما يرتبط قبل كل شيء بالتطبيق الصارم والعادل للقانون، وتعزيز الرقمنة، وتتبع المخالفات، وتحسين تكوين السائقين المهنيين، وتشديد الرقابة على الحالة التقنية للمركبات، وربط المسؤولية القانونية بالناقل والمؤسسة والسائق وكل المتدخلين في منظومة النقل.

وفي هذا الإطار، دعا إلى اعتماد خطة وطنية خاصة بحافلات نقل المسافرين خلال موسم الاصطياف، ترتكز على إخضاع الحافلات لفحص تقني صارم قبل الرحلات الطويلة، مع التركيز على مراقبة سلامة الإطارات والمكابح ونظام التوجيه، والتأكد من احترام السائقين لفترات الراحة القانونية، إلى جانب تكثيف الرقابة على السرعة عبر مختلف المسارات.

كما اقترح إنشاء بطاقية وطنية رقمية ومحينة لحظيرة حافلات نقل المسافرين، وتشديد الرقابة على الحافلات القديمة، وإعادة النظر في برامج تكوين السائقين المهنيين، خاصة في مجال القيادة الوقائية وكيفية التعامل مع المنحدرات والمنعرجات وحالات فقدان السيطرة، فضلا عن معالجة النقاط السوداء هندسيا بدل الاكتفاء بوضع إشارات المرور، مع توظيف التكنولوجيا في مراقبة السرعة وساعات القيادة ورصد المخالفات، وإطلاق حملات توعية تستهدف السائقين والناقلين والركاب على حد سواء.

ولم يغفل المتحدث أهمية إنشاء خلية وطنية مختصة بتحليل حوادث النقل الجماعي الكبرى، يكون دورها دراسة الأسباب العميقة للحوادث واستخلاص الدروس ووضع إجراءات عملية تمنع تكرارها، بدلا من الاكتفاء بتحديد المسؤوليات بعد وقوع الكارثة.

من منطق العقوبة إلى منطق الوقاية

وختم شقيان بالتأكيد أن الحافلة ليست مجرد وسيلة نقل، بل تحمل عشرات الأرواح، ما يجعل مسؤولية سائقها والناقل وكل من يشرف على سلامتها مسؤولية مضاعفة. وأضاف أن المطلوب اليوم هو الانتقال من منطق العقوبة بعد الحوادث إلى منطق الوقاية قبل وقوعها، ومن معالجة النتائج إلى معالجة الأسباب، لأن السلامة المرورية مسؤولية جماعية، وحماية الأرواح تبدأ قبل تشغيل محرك الحافلة، وليس بعد وقوع الكارثة.

ومن جهة أخرى، ووفقا وفقا للتشريع الجزائري، فإن وفاة السائق المتسبب في حادث المرور لا تعني انتهاء جميع الآثار القانونية المترتبة عن الحادث، بل تنقضي فقط الدعوى العمومية في حقه، طبقا للمادة 6 من قانون الإجراءات الجزائية التي تنص على انقضاء الدعوى بوفاة المتهم، وبالتالي لا يمكن متابعته جزائيا أو توقيع أي عقوبة عليه.

غير أن التحقيقات القضائية تستمر للبحث عن أي مسؤوليات أخرى محتملة، إذ يمكن مساءلة مالك الحافلة أو الشركة الناقلة إذا ثبت وجود تقصير في صيانة المركبة، أو عدم احترام الفحوصات الدورية.

شركة التأمين ملزمة بتعويض المتضررين

أما من الناحية المدنية، فإن وفاة السائق لا تحرم الضحايا أو ذوي حقوق المتوفين من التعويض. فبموجب الأمر 74-15 المتعلق بتعويض ضحايا حوادث المرور، تلتزم شركة التأمين بتعويض المتضررين، بغض النظر عن الخطأ المرتكب من السائق.

وذكر المهتم بالقانون، إسلام ضيافي، بأنه قانونيا لا يمكن اتخاذ أي إجراءات جزائية ضد السائق، باعتبار أنه توفي، وهذا ما يؤدي إلى انقضاء الدعوى العمومية التي تبدأ أصلا، وانطلاقا من مبدأ شخصنة العقوبة، لا يمكن اتخاذ إجراءات ضد عائلته أو أصوله جزائيا.

كما أن التحقيق، بحسب المتحدث، يبقى “قائما لمعرفة إن كانت هنالك أسباب أخرى، أما مسألة التعويض فتبقى قائمة للمتضررين من الحادث مع شركات التأمين أو شركة النقل إن وُجدت”.

دعوات إلى الحيطة والحذر

وفي سياق مواز، كشف رئيس مكتب الإعلام بالمديرية العامة للحماية المدنية النقيب زهير بن أمزار، في تصريح لـ”الشروق”، بأن الحوادث المتعلقة بالحافلات بلغت 1744 حادث في عام 2025، داعيا بدوره إلى الحيطة والحذر واتخاذ أقصى إجراءات الوقاية بالنسبة للسائقين وشركات النقل.

مقالات ذات صلة