“فاست فود” في الحاويات و”البرارك” لتسميم الجزائريين
لا تمر بشارع من شوارع العاصمة، إلا وتجذبك المطاعم الكثيرة للأكل السريع والفاست فود والبيتزيريات، وتلك الحشود الكبيرة والطوابير الطويلة للمواطنين الذين يقفون أمام محلات الأكل الخفيف، في انتظار الحصول على ساندويتش وبيتزا أو هامبورغر أو أي نوع من أنواع المعجنات المحشوة، كالسوفلي المحشي باللحم المفروم وصلصة الطماطم أو المحاجب، وغالبا ما يجد الموظفون والطلبة الذين يخرجون من البيت صباحا ولا يعودون إلا في المساء أنفسهم، مجبرين على تناول وجبات سريعة يوميا في مطاعم الفاست، مع مشروبا طبعا، وهو ما ينتهي بهم في نهاية الشهر بميزانية ثقيلة، تفوق قدرات الموظفين البسطاء خاصة الذين لديهم مسؤوليات عائلية.
تزايد إقبال الجزائريين على المأكولات السريعة
“الشروق” قامت بجولة صغيرة خلال منتصف النهار، عبر عدد من الشوارع الرئيسية للعاصمة، كل البيتزيريات مزدحمة بالزبائن، إلى درجة أن هؤلاء لا يجدون طاولة فارغة أو كرسيا يجلسون فيه، وبعضهم يقفون في انتظار دورهم ليحضر لهم النادل ما طلبوه من ساندويتشات، بينما يترصد آخرون شغور المقاعد ليتمكنوا من الجلوس وتناول سندويتشاتهم، وأحيانا لا يجد الزبون حتى مساحة صغيرة ليقف فيها من أجل تناول طعامه، فتجد الجميع يأكلون وقوفا في ازدحام شديد فيما بينهم، وفي الكثير من الأحيان لا يتمكن الزبون من الوصول إلى النادل أو الطباخ ليطلب طعامه، ما يفسر تزايد إقبال الجزائريين على المأكولات السريعة، خاصة في المدن الكبرى، إلى درجة أن العدد الكبير للبتزيريات ومطاعم الأكل الخفيف لم تعد تكفي لاستقبال كل الزبائن، خاصة في ساعات الذروة، وهي الفترة الممتدة من الحادية عشر والنصف إلى الثانية والنصف، وهي الفترة التي يخرج فيها كل الموظفين والطلبة للإفطار في محلات الأكل السريع، وحتى المواطنين الذي خرجوا للتسوّق أو التنزّه، يفطرون بطبيعة الحال في مطاعم الأكل السريع، حيث تلتقي كل فئات المجتمع، الموظفون البسطاء، الإطارات العليا، البطالون، وحتى النساء الماكثات في البيت والأطفال والطلبة والتلاميذ، كلهم يُقبلون على مطاعم الأكل السريع، لكن كل واحد فيهم يستهلك الساندويتش الذي يتناسب مع إمكانياته.
يضطر الموظفون الذين يعملون في شركات ومكاتب أو ورشات بعيدة عن منازلهم إلى تناول مأكولات سريعة غير صحية، وأحيانا وجبات باردة كالخبز مع الكاشير أو الجبن، في حين يبقى عدد كبير منهم دون أكل طوال فترة العمل لأن إمكانياتهم المالية وراتبهم الشهري الضعيف لا يسمح لهم بشراء ساندويتش يوميا، وهو ما يفسر لجوء هذه الفئة إلى التحايل على أنفسهم وبطونهم من خلال إسكات جوعهم بقطعة بيتزا صغيرة.
بيوت قصديرية وحاويات مهملة في الأسواق تتحوّل إلى محلات فاست فود
خلال جولتنا عبر محلات الأكل السريع بشوارع الجزائر العاصمة، لا سيما بأحياء بلكور والمدنية وباب الواد، وكذا باش جراح والحراش والقبة، وخاصة في الأسواق الشعبية، صادفنا محلات فاست فود لا تصلح حتى إسطبلا للحيوانات، حيث أنها مغطاة بالقصدير، ودرجة الحرارة فيها تصل إلى مستويات قياسية، خاصة ونحن في فصل الصيف، وهو ما يؤثر على المأكولات، ورغم ذلك نجد الزبائن يقفون في طوابير ينتظرون دورهم للحصول على ساندويتش أو قطعة بيتزا، أما مطاعم الفاست فود التي تتواجد في أقبية العمارات، فغالبا ما تمر عبرها قنوات صرف المياه، التي تتسرب منها المياه القذرة، وتنبعث منها الرواح الكريهة، غير أن الكارثة الكبرى هي محلات الأكل السريع، المنتشرة في الأسواق الشعبية التي لا يتوّفر معظمها على أدنى شروط الأكل الصحي، بسبب الحرارة المرتفعة من جهة والغبار الكثيف، والوسائل المستعملة القديمة جدا والمهترئة.
“ڤرنطيطة” لسد الجوع في ظل الغلاء الفاحش
الكثير من الموظفين يلجؤون إلى اقتناء مأكولاتهم من محلات الأكل السريع، وأمام غلاء سعر سندويتشات البطاطا المقلية، أصبحت سندوتشات “ڤرنطيطة” هي الملجأ الوحيد لسد جوع هؤلاء الموظفين، نظرا لانخفاض أسعارها، خاصة وأن أغلب الجزائريين ينتمون لأسر فقيرة ومحدودة الدخل، ولا يمكنهم اقتناء أنواع أخرى من المأكولات باهظة الثمن، خاصة وأن أرخص ساندويتش هو ساندويتش البطاطا المقلية مع البيض أو “فريت أوملات”، لا يقل سعره عن70 دينارا و80 دينارا، وهو ثمن مرتفع بالنسبة لموظف مسؤول على عائلة، علما أن رواتب الموظفين البسطاء تتراوح في أحسن الأحوال بين 20000 دينار إلى 35000 دينار، ويجد رب الأسرة نفسه مجبرا على التقشف في صرف هذا الراتب، كي يتمكن من إكمال الشهر، ما يدفع بموظفي هذه الفئة إلى إلغاء وجبة الفطور تماما.
وقال رئيس جمعية حماية المستهلك لولاية الجزائر الدكتور مصطفى زبدي في اتصال بالشروق اليومي إن معظم محلات الأكل السريع لا تحترم قواعد النظافة والأكل الصحي، كما لا تطبق القوانين المفروضة، على غرار عدم الاحتفاظ بما يسمى بـ”الطبق الشاهد”، حيث يشترط قانونا على جميع المطاعم الإحتفاظ بعينة من كل الأطباق في الثلاجة لمدة 72 ساعة، من أجل فحصها في حالة ثبوت أي حالة تسمم حتى تتمكن مصالح الوقاية من فحص الطبق الذي تناول منه الزبائن لاكتشاف التسمم.
رئيس جمعية حماية وإرشاد المستهلك ومحيطه مصطفى زبدي:
المستهلك يتحمل المسؤولية لأنه يسكت على التجاوزات
قال رئيس جمعية حماية وإرشاد المستهلك ومحيطه لولاية الجزائر العاصمة مصطفى زبدي إن”المستهلك يجد نفسه مضطرا لتناول أغذية على مستوى محلات الأكل السريع، حتى ولو كان على دراية بأنها لا تتوفر على الشروط الصحية الكاملة التي توّفر له سلامة المنتوج الذي يقتنيه، وما علينا للتأكد من هذا، إلا القيام بجولة بالقرب من محلات الأكل السريع المحاذية للمعاهد والجامعات وكذا المصانع للتأكد بأن الطلب يفوق العرض، وتعتبر جمعيتنا أن هذا العامل من بين أهم الأسباب التي جعلت أصحاب هذه المحلات يتقاعسون على احترام شروط النظافة والضوابط المتعلقة بجميع مراحل تحضير الأكلة.
وأضاف المتحدث أن “المستهلك يتحمّل جزءا من المسؤولية، لعدم تنديده بالأمر، خاصة في حال ملاحظته لتجاوزات تمسّ الجانب الصحي في عملية عرض الأغذية عند هؤلاء التجار، مما يجعلهم لا يجدون أي حرج في التقاعس أكثر، كما تقع المسؤولية على عاتق المكاتب البلدية للوقاية التابعة للبلديات، حيث تعتبر مكاتب الوقاية المسؤولة المباشرة لوضع حد لمثل هذه الظواهر بمقتضى المرسوم التنفيذي 87– 146 المؤرخ في 30 جوان 1980، ولذلك على المستهلك ألا يراهن كثيرا على مصالح الرقابة في تطبيق متطلبات السير الحسن، وفق المقاييس الصحية لمحلات الأكل السريع، إذ عليه أن يكون الرقيب الأول في هذه العملية، وألا يتردد بفضح الممارسات الغير سليمة التي قد تؤدي لأضرار صحية مميتة في بعض الأحيان، وعليه أن يقاطع هذه المحلات ويدعو من يعرفهم إلى مقاطعتها، كما أننا نناشد الضمائر الحية من التجار النزهاء، أن يسعوا بالسلوكات السليمة لحفظ نفوس المستهلكين، نحن نسعى مستقبلا لتشجيعهم بفتح مسابقات نكرّم من خلالها أحسن المطاعم مما سيعود عليهم بالضرورة بالمنفعة الدائمة”.