فاطمة دبوز.. الشهيدة التي أحرقت حية وانتقم لها زوجها
فرنسا الوطن الذي بني على جثث الضعفاء وروي نهر السين في باريسه بدماء الشهداء.. بلد يفتخر بجان دارك التي قهرت الإنجليز وفتحت أورليانز وأحرقت حية.. وإن كانت لها جان دارك واحدة فإن لنا آلافا منها، نساء أعدموا واحرقوا وتهمتهن الوحيدة حب الجزائر. الشروق العربي تروي مأساة من مآسي الثورة إنقلبت نصرا مظفرا لجيش التحرير.
القصة المليون من ملحمة كتبتها المرأة الجزائرية بالدم ، تروي حياة فاطمة دبوز، شهيدة جزائرية تم حرقها وهي حية في 23 مارس 1956، وهي لم تتجاوز سن الثامن عشر. زوجها هو محمد أعراب دبوز الذي كان محل بحث من طرف الملازم “سنسيك”، قائد المركز العسكري لمنطقة توجة ببجاية، هذا الأخير كان يقود حملة مداهمة لدشرة بوبركة الواقعة على بعد ثلاث كيلومترات من توجة، وهذا بحثا عن المجاهدين في عقر دارهم من بينهم محمد أعراب دبوز.
استجواب بعود ثقاب
بدأ الملازم سنسيك في استجواب فاطمة فيما يخص زوجها محاولا إقناعها بالتهديد أن تدله على مكان تواجده غير أنها التزمت الصمت. وأمام صمتها وشجاعتها المستفزة، قام برشها بالبنزين مهددا بحرقها إن لم تعترف، لكن جوابها الوحيد كان تلك البصقة التي أطلقتها في وجهه أمام ذهول كل من كان حاضرا…. وارتجف الجميع عندما أشهر سنسيك عود ثقاب وماهي إلا ثواني حتى أشعل المجرم عوده ورماه على ملابس فاطمة الطاهرة المبللة بالبنزين، واشتعل جسدها وكأنها نار تنذر بالإنتقام القريب. وحسب شهود عيان لم تطلق فاطمة صرخة واحدة ولم تتوسل لأحد، لم يسمع إلا أنينها المتقطع من الألم وهي تتلوى أرضا إلى أن صارت جثة متفحمة عن آخرها، كل هذا تحت أنظار الملازم السادية وضحكاته الهستيرية. قد تكون جريمة هذا الضابط الفرنسي أكثر دموية فقد أكدت بعض الروايات أن فاطمة كانت حامل في شهرها الأخير..
في غمرة ساديته ووحشية، أقدم الملازم أول سنسيك على قتل أفراد من ثلاث عائلات: ثلاثة من عائلة دبوز ، و ستة من عائلة براهيمي ، من بينهم طالب بالمدرسة الثانوية ، ووالديه ، وشقيقه وشقيقته. ولم يكتف بهذا العدد من الضحايا بل راح يقتل خمسة أفراد من عائلة شيخون.. لقد بدأت هذه المجزرة باستشهاد زوجة وفية وأنتهت بقتل أربعة عشر جزائريا لم يرضخوا للتهديدات ولم يسلموا ذويهم وقد كلفهم الصمت روحهم الطاهرة.
إنتقام الأشاوس
بعدما انتهى الجنود من مجزرتهم، ولوا الأدبار منتشين بجريمتهم، لكن عند حدود دشرة بوبركة وجد الملازم سنسيك نفسه تحت رحمة بندقية محمد أعراب دبوز وابن عمه اللذين كانا يرقبان الحادثة من بعيد غير قادرين على فعل شيء ولإدراكهم أن أي تدخل في مثل هذه الحالة قد يعد إنتحارا.. وكيف ينتحر مجاهد في سبيل الله والوطن.. كان أمامهما عمل أخير يجب أن ينفذ مهما كلفهما ذلك، الإنتقام لموت فاطمة وأهل بوبركة. وأطلق محمد أعراب من بندقيته رصاصة أشفت غليله في جسد الوضيع سنسيك واصطاد هو وابن عمه بعدها اثنين من الجنود الفرنسيين المشاركين في مجزرة الدشرة بوابل من الرصاص.
فلتنعم روحك بالسكينة يافاطمة
وقبل أن يعود ابني العم إلى الجبال عرجا باتجاه القرية بعد أن انتقما لمقتل فاطمة وسكان القرية. لم يكن الحساب قد سوي بعد فنيران الانقتام التي انهالت بعدها على جيش فرنسا كانت مهولة وأكلت الأخضر واليابس! كان مقتل الملازم سنسيك وجنديين من أتباعه دليلا على أن جيش التحرير الوطني كان يمكنه أن يضرب بيد من حديد في أي مكان و في أي زمان. واجتمع المجاهد محند دبوز في مساء ذلك اليوم المشهود بالبقية الباقية من تلك المجزرة وخاطبهم قائلا أنه انتقم لزوجته قبل أن تجف دماؤها.