الرأي

فرصة أخرى!

ح.م

اتفقت دول وشعوب العالم، على تسمية الجائحة الوبائية التي قتلت الناس ودمّرت الاقتصادات، بالحرب الكونية الثالثة، التي بينّت بأن كل قوي مهما علا شأنه، معرّض للانهيار، وكل ضعيف مهما انحدر مستواه، بإمكانه العودة. وحالة رئيس أكبر دولة في العالم دونالب ترامب مساء كل يوم، وهو محاط بترسانته العلمية والاقتصادية والسياسية محاولا إقناع شعبه بأنه أنقذهم من أرقام ملايين القتلى، فهو يناقض نفسه مرة، ويرمي أخرى الكرة في ميادين معارضيه وحكومات أجنبية، تختصر الصورة الحقيقية للعالم، وتنسف الروح الانهزامية التي جعلت بعضنا يظن بأن بلاد الغرب التي يخاطر بحياته في أمواج البحار الثائرة من أجل أن يعيش خادما فيها، لأناسها، ليست جنة لا يجوع فيها بشر ولا يعرى، وتمنحهم جرعة أمل وعزيمة لأجل أن يدركوا بأن “الفيروس” غير المرئي هزم أمريكا أغنى بلاد في الأرض، فأسقط فيها بين قتيل ومصاب قرابة مليون نسمة، ولم يقتل سوى شخصين ضمن سبعة عشر فردا أصيب في ملاوي، التي تعتبر أفقر بلاد الأرض، من حيث تفشي الأمراض والأوبئة وسوء التغذية، وانعدام العلاج بها.

أحيانا تسنح للشعوب فرصا ذهبية للإقلاع، يكون فيها لليد البشرية دورا، ولكنها تصطدم بدول أخرى تعرقل مسعاها، فيكون إقلاعها مكسور الجناحين، وما حدث لتركيا في قلب أوربا ولإيران من القوى العظمى ما قبل زمن كورونا، يدلّ على أن التقدم يحتاج إلى تضحيات جسام وصبر مزمن وتنازلات بسبب ضغوطات الحلف المتطور، الذي بذل المال والعلم والقوة من أجل أن يغلق الحلقة في وجه بقية البلدان، خاصة ذات الروح الشرقية وديانات أخرى.

لكن في “الحرب العالمية” الدائر رحاها حاليا، ووسط انشغال قوى العالم، والمسماة بالدول العظمي، بعدّ قتلاها وجبر كسور مصابيها والبحث عن أسرّة وأجهزة تنفس وكمامات وأدوية، أصبح كل شيء وارد، بين صين تحجّ إليها الطائرات من كل القارات طلبا للمعونة والخبرة في مواجهة “نازية” الفيروس القاتل، وبين ألمانيا التي أعلنت النصر قبل الجميع وباشرت إقلاعها الصامت من أجل قيادة العالم مستقبلا علميا واقتصاديا، وتركيا التي أنقذت إسبانيا وإيطاليا وأغرقت بريطانيا العظمى بأطنان من العتاد الطبي الذي أبهر الإنجليز في أوج الوباء الذي عصف بتركيا مثل بريطانيا.

أفرزت الحرب العالمية الثانية، قيادة أمريكية وسوفياتية جديدة للعالم، وكسرت بلدانا مثل اليابان القاعدة، التي كانت تحصر التقدم في أوربا، وستفرز الحرب العالمية الثالثة قوى جديدة أدركت بأن الاستثمار في إنتاج وبيع وشراء الأسلحة وتطويرها ليس أولوية، وبأن الإيمان بأن القوة والضعف هما قدر لا يمكن تغييره هو مجرد هبل وبلا همة، وكما لعنت شعوبا الحرب العالمية الثانية وأثنت عليها أخرى، فإن كورونا قد تسقط بلادا وتعيد أخرى للواجهة، وستكون الجزائر قد أضاعت فرصة أخرى وربما أخيرة إن خرجت من محنة كورونا من دون إقلاع.

مقالات ذات صلة