الجزائر
العلاقات الجزائرية الفرنسية على ضوء خطاب الرئيس تبون

فرصة لاستعادة الهدوء ونزع فتيل بنادق اليمين المتطرف

محمد مسلم / حسان حويشة
  • 6760
  • 0
ح.م

فتح حوار الرئيس عبد المجيد تبون مع صحيفة “لوبينيون” الفرنسية، نافذة أمام مساع حقيقية لحلحلة الأزمة في العلاقات الجزائرية الفرنسية؛ التي تعاني حالة تشنج منذ الصائفة المنصرمة، في أعقاب انخراط الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في دعم مخطط النظام المغربي في الصحراء الغربية، فقد ارتفعت أصوات وازنة في المشهد السياسي الفرنسي محذرة من مخاطر الدفع نحو الانسداد في العلاقات الثنائية، وذلك بعد أسابيع وأشهر من سيطرة رموز اليمين المتطرف على المشهد الإعلامي، الذين قادوا حملة تحريض واسعة ضد الجزائر.
فهل ستساهم رسائل الرئيس تبون وإشاراته الواضحة في اتجاه خفض التصعيد، وطي صفحة الأزمة؟ وهل يمكن للأصوات المتزنة في الساحة السياسية الفرنسية أن تدفع في هذا المسعى؟ أم أن اليمين المتطرف سيكون سببا في انتكاسة حقيقية في العلاقة بين البلدين بتصريحاته العدائية؟ هذه الأسئلة وأخرى سيحاول هذا الملف الإجابة عليها.

ماكرون يلوذ بالصمت ومحيطه يشتعل
هل سيصلح الزمن عبث الرئيس الفرنسي بالعلاقات مع الجزائر؟


خلف الحوار الذي أجراه مؤخرا الرئيس عبد المجيد تبون، مع صحيفة “لوبينيون” الفرنسية، حالة من الارتباك لدى الأوساط الفرنسية، ورافقه وجنوح إلى التهدئة، بحيث خف “سعار” اليمين المتطرف، وبرزت إلى الواجهة أصوات تدعو إلى تحكيم العقل، فيما كان الصوت الأبرز هو الذي جاء من العدالة الفرنسية، التي صفعت وزير الداخلية، برينو روتايو، برفضها ترحيل المؤثر “بوعلام”، وإلزام الداخلية الفرنسية بتسوية وضعيته القانونية، والإفراج عن المؤثر الموقوف.
ويبدو أن رسالة الرئيس تبون والتي تضمنت ما يمكن وصفه بأنها “يدا ممدودة”، لإصلاح ما أفسده الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، بانحيازه غير المبرر للنظام المغربي في قضية الصحراء الغربية، واندفاع وزير داخليته برينو روتايو، غير المحسوب العواقب في استهداف مصالح الجزائر وجاليتها المقيمة بفرنسا، قد أحدثت هزة في الضفة الشمالية للبحر المتوسط، مخلفة لحظة وعي بمخاطر استمرار التصعيد مع الجزائر.
وكان لافتا في هذه التطورات، خروج بعض الشخصيات الوازنة والمتزنة في المشهد السياسي الفرنسي، لينبه الفرنسيين إلى أن مخاطر استمرار إدارة ماكرون في استعداء الجزائر واستهداف مصالحها، مدفوعة بأوساط يمينية متطرفة معروفة بعدائها لكل ما هو جزائري، مستغلة حالة التيهان والضعف السياسي الذي يعاني منه المعسكر الرئاسي منذ خسارته الانتخابات التشريعية الأخيرة، واضطراره إلى وضع جميع بيضه في سلة الأحزاب والشخصيات اليمينية المتطرفة، التي وجدت الطريق مهيأ امامها للسطو على القرار السياسي وتوجيه البوصلة نحو وجهة قد تضر المصالح الفرنسية.
ويمكن الإشارة هنا إلى كل من السياسي المخضرم، جون بيار شوفنمون، والسياسية الاشتراكية والمرشحة السابقة للانتخابات الرئاسية لسنة 2007، سيغولين روايال، اللذان دقا ناقوس الخطر، من مخاطر استمرار سياسة التصعيد بين الجزائر وباريس، على مستقبل العلاقات الثنائية، والتي من بينها احتمالية أن تصل القطيعة إلى نقطة لا يمكن معها أي تصحيح أو استدراك.
فقد تحدث جون بيير شوفينمان عن “ضرورة التغلب على الخلافات والمزايدات”، وعن “الأهمية الكبرى للجزائر بالنسبة لفرنسا في إفريقيا”، غير أن سيغولين روايال، كانت أكثر حدة في انتقادها لليمين المتطرف الفرنسي الذي لم يتمكن بعد من التخلص من عقد الماضي الاستعماري لفرنسا، كما دافعت بقوة عن الجزائريين وعن شيم التضحية والأنفة التي أبانوا عنها خلال الحرب من أجل الاستقلال، وعن الدور الذي أدوه ولا زالوا في بناء فرنسا وفي النهوض باقتصادها.
وقبل ذلك، كان الوزير الأول ووزير الخارجية الأسبق، دومينيك دو فيلبان، قد حذر النخب السياسية الفرنسية من مغبة الاستمرار في تدمير العلاقات مع الجزائر، فقد عبر عن استهجانه لما يقوم به بعض المسؤولين في بلاده: “أتابع كل يوم أمرا يصيبني بالأسى، وهو كيف أصبح السياسيون الفرنسيون يعالجون القضايا الدبلوماسية الكبرى عبر جمل قصيرة في تويتر، مثل الدعوة إلى إلغاء اتفاقية الهجرة لسنة 1968”.
وموازاة مع هذا السجال السياسي والإعلامي، يبقى الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، غائبا أو مغيبا عن المشهد، تاركا الساحة لشخص مثل وزير داخليته، برينو روتايو، ليعبث بمصير العلاقات الثنائية من خلال تصريحاته المتكررة والمستفزة تجاه الجزائر، تارة عبر تغريدات على حسابه في منصة “إكس” (كما ألمح إلى ذلك دومينيك دوفيلبان)، وتارة أخرى عبر المنابر الإعلامية اليمينية المتطرفة التي وضعت تحت تصرف كل من يريد استهداف الجزائر ومصالحها في فرنسا.
فهل سيكسر الرئيس الفرنسي جدار الصمت ويعمد إلى تصحيح ما أفسده في علاقات بلاده مع الجزائر، أم أنه سيستمر في إخفاء رأسه في الرمال، ومواصلة سياسة الهروب إلى الأمام، فيما تتجه العلاقات بين الجزائر وباريس نحو قطيعة قد يستحيل معها ترميم ما تم تدميره؟

النائب بالمجلس الشعبي الوطني عن الجالية بفرنسا سعد لعناني لـ”الشروق”:
مواقف اليسار والشخصيات الحرة وقرار العدالة أربكت اليمين المتطرف


في هذا الحوار يقدم النائب عن الجالية الجزائرية بفرنسا، سعد لعناني، قراءة في تداعيات حوار الرئيس تبون لصحيفة “لوبينيون”، على المشهد في فرنسا، ويتوقف عند السجال الحاد بين رجالات اليسار واليمين المتطرف، بشأن التعاطي مع الأزمة الدبلوماسية المتفاقمة بين الجزائر وباريس.

خلف حوار الرئيس عبد المجيد تبون لصحيفة “لوبينيون” جدلا في فرنسا.. كيف تقرأون تعاطي الإعلام الفرنسي معه، ولا سيما المنابر ذات التوجهات اليمينية واليمينية المتطرفة؟
كما تعلمون، الإعلام الفرنسي طغى عليه الإعلام اليميني بشقيه المعتدل والمتطرف وصاحب الكلمة الفيصل فيه غدت عند الأوساط المتطرفة، التي أصبحت تصول وتجول على الساحة السياسية والإعلامية خصوصا. ومنذ اندلاع الأزمة وحتى قبلها وقفنا على قيام المنابر الإعلامية اليمينية بتهييج الأجواء وتسميمها في فرنسا، وشحنها ضد الجزائر، وتأليب الرأي العام الذي بدا مصدوما للوهلة الأولى.
ويمكن الإشارة هنا إلى بعض القنوات والصحف والمواقع الالكترونية التي كانت بمثابة رأس الحربة في الأزمة السياسية والدبلوماسية التي عصفت بالعلاقات الجزائرية الفرنسية، على غرار كل من “سي نيوز”، لوفيغارو؛ بي اف ام تيفي؛ لوبوان؛ مريان؛ لكسبريس، وغيرها.

تضمن حوار الرئيس تبون الأخير، ما يمكن اعتباره يدا ممدودة للجانب الفرنسي من أجل إصلاح ما أفسده الرئيس إيمانويلا ماكرون. كيف تتوقعون أثر هذا الحوار على العلاقات الثنائية؟
حوار الرئيس عبد المجيد تبون لصحيفة “لوبينيون”، أصاب اليمين المتطرف بحالة من الصدمة وجعله يترنح، إلى جانب طابعه الذي اتسم بالشجاعة والمهارة والمبدئية والثبات والرصانة، بالإضافة إلى الوضوح والصراحة وإبداء الاستعداد لحوار بناء، تقابلها إرادة سياسية حقيقية على أساس احترام سيادة الدول وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للآخرين.
أنا شخصيا، أشيد بإشارة الرئيس عبد المجيد تبون للجذور الأيديولوجية والعقائدية لهذا اليمين، الذي لم يفكك عقده المستحكمة وخصوصا عقدة الاستعمار والاستعلاء التي ورثها عن “منظمة الجيش السري(OAS) ” الإجرامية. اليد الممدودة الجزائرية تعبر في الوقت ذاته عن مكامن القوة والصمود والعزة.

هل تعتقدون أن خروج بعض الشخصيات الفرنسية الوازنة والمعروفة بتوازنها، مثل جون بيار شوفنمون، سيغولين روايال، التي ذكرها الرئيس تبون في حواره، سيحدث خرقا في جدار الأزمة المتفاقمة بين الجزائر وباريس؟
المواقف التي عبرت عنها بعض الشخصيات السياسية الفرنسية الوازنة والمحنكة بالإضافة إلى موقف حزب “فرنسا الأبية”، أدى إلى حدوث حالة من الارتباك لدى اليمين المتطرف. كما أن القرار الذي صدر نهاية الأسبوع عن المحكمة الإدارية لمدينة مولان، والذي ألغى كما هو معلوم، قرار الإدارة الفرنسية للمؤثر “بوعلام”، بوجوب مغادرة التراب الفرنسي؛ وجه ضربة قاضية لشخصيات اليمين المتطرف، الذي أصبح يعبر عن الدولة العميقة بأجهزتها المختلفة والنافذة .

كيف تفسرون صمت الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إزاء ما يحدث على صعيد العلاقات الثنائية، وهل يعني ذلك أن الأمور قد فلتت من بين يديه؟
موقف الرئيس ماكرون، موقف ماكر، لأنه قام بخطوة تعتبر خيانة إزاء قضية الصحراء الغربية، كما تعتبر تراجعا عن الموقف التاريخي لفرنسا المؤيد لمقررات الأمم المتحدة؛ وهو في نفس الوقت لم يبد موقفا من تطاول اليمين على الجزائر، وهو بصمته هذا يضع نفسه في خدمة اليمين المتطرف.
وربما أراد من موقفه هذا زعزعة استقرار الجزائر من أجل الحصول على تنازلات سياسية واقتصادية أضحت فرنسا في أمس الحاجة إليها مع تراجع اقتصادها. وفي الوقت ذاته، يمكنه أن يخرج بموقف ينهى النقاش لفائدة عودة العلاقات الطبيعية مع الجزائر كنوع من الإنجاز السياسي.

هل يمكن تصليح ما أفسده ماكرون؟ أم نحن ذاهبون إلى قطيعة حقيقية غير قابلة للتدارك كما قال الرئيس تبون في حواره؟
هذه الأزمة لا نظير لها في تاريخ العلاقات بين البلدين. كانت هناك تهديدات ومواقف عدائية وعدوانية وحربية لم يسبق لها مثيل. وقد أشار إلى بعضها الرئيس عبد المجيد تبون عندما ذكر تلميح بعض الإعلاميين لترحيل الجزائريين من فرنسا، مشبها إياها بأكبر عمليات الإيقاف التي تعرض لها اليهود في فرنسا ( les rafles du Vel d’hiv).
وأشير هنا إلى أن موقف الجزائر ثابت وقوي، وتصريحات بعض الجهات أن بإمكانها تركيع الاقتصاد الجزائري؛ وأنها سترد على الجزائر بجميع الوسائل ليس بإمكانها تهدئة الوضع.

النائب بالجمعية الوطنية الفرنسية كارلوس مارتنس بيلونغو لـ”الشروق”:
ماكرون اختار التعايش مع المتطرفين والفرنسيون يريدون رحيله


يتحدث النائب الفرنسي عن حزب “فرنسا الأبية”، كارلوس مارتنس بيلونغو، في هذا الحوار مع “الشروق” عن الأزمة الدبلوماسية بين الجزائر وفرنسا، والتي يرى بأنها مصطنعة من طرف اليمين واليمين المتطرف، وشدد على أن الرئيس ماكرون اختار التعايش مع وزير داخليته المنتمي لليمين المتطرف برينو روتايو، وهو اليوم يتجرع شيئا كان هو المتسبب فيه، مشيرا إلى أن الفرنسيين يريدون اليوم رحيل الرئيس عبر الاستقالة أو العزل.

خلف حوار الرئيس تبون لصحيفة لوبينيون جدلا في فرنسا.. كيف تقرأون تعاطي الإعلام الفرنسي معه لاسيما ذو التوجهات اليمينية؟
إن الصحفي الفرنسي باسكال آيرو من صحيفة “لوبينيون” صديق لي، وأود أن أشكره على عمله الممتاز. أما بالنسبة لوسائل الإعلام الفرنسية اليمينية واليمينية المتطرفة فلديها أجندة واضحة المعالم، وهي تنطوي على التحريف والحنين إلى عهد الجزائر الفرنسية، ولذلك فإن كل تغطية إعلامية من جانبهم تسعى إلى خلق حرب وهمية بين ضفتي المتوسط.

كيف تتوقعون أثر هذا الحوار على العلاقات الثنائية؟
أعتقد أن تأثير ذلك سيكون إيجابيا. الرئيس الجزائري (عبد المجيد تبون) تحدث إلى إحدى وسائل الإعلام الفرنسية، وأكد أنه يأمل في أن يتحسن الوضع بسرعة حتى يتسنى لبلدينا إقامة علاقات صحية بين البلدين.

هل تعتقدون أن خروج بعض الشخصيات الفرنسية (شوفنمون، سيغولين روايال) الوازنة والعقلانية التي ذكرها الرئيس تبون، ستحدث خرقا في جدار الأزمة؟
أجل أعتقد ذلك. إذا أخذنا في الحسبان أصحاب النزعة الإنسانية وملايين الفرنسيين من أصل جزائري (الفرانكو-جزائريين)، والفرنسيين أصدقاء الجزائر، فهذا يعني أن هناك الكثير من الناس الذين يريدون تجاوز جدار الأزمة الذي اصطنعه اليمين المتطرف. وأشير هنا أيضا إلى أنه عندما تسيرون في شوارع فرنسا، فلا أحد سينادي شاكيا بسبب الجزائر. آخذ مثالا واحدا فقط، وهو عدد الأطباء الجزائريين الذين يعالجون المرضى الفرنسيين في مستشفياتنا.

كيف تفسرون صمت الرئيس الفرنسي، وهل يعني ذلك أن الأمور فلتت من يديه الأمور؟
لقد اختار إيمانويل ماكرون التعايش مع برونو ريتايو، فضلا عن دعم من دون مشاركة من طرف مارين لوبان، لذلك فهو يعاني اليوم من تبعات أمر هو من تسبب فيه بشكل جزئي.
الرئيس ماكرون ومنذ أن تولى السلطة في عام 2017، شهدنا انحرافا في سياساته التي تميل الآن نحو أقصى يمين الطيف السياسي الفرنسي، ولم يعد هناك مجال له للتعبير عن نفسه، حيث بلغت شعبيته 17 بالمائة في آخر استطلاعات الرأي، ولذلك فالفرنسيون يريدون رحيله، إما عبر الاستقالة أو العزل.

هل يمكن إصلاح ما أفسده ماكرون؟ أم نحن ذاهبون إلى قطيعة؟
أعتقد أن حزب “فرنسا الأبية” وزعيمنا جون لوك ميلونشون قد برهنوا على إرادتنا في أن نكون صوت فرنسا غير المنحازة. ففرنسا الجديدة تناضل ضد جميع أشكال العنصرية وضد الرؤية الرأسمالية للعالم التي تغذيها ردود الفعل الاستعمارية الجديدة. لذلك فقد بدأنا بالفعل هذا العمل بآذان صاغية على الصعيد الدولي، ولذلك فإن هذه الروابط لا تزال قائمة ويمكن استخدامها بشكل جيد عندما نتولى المسؤولية.

لماذا برأيكم كل هذه الهجمات من اليمين ضد اتفاقية الهجرة لعام 1968 مع الجزائر، في حين أن الرئيس تبون وصفها بأنها “قوقعة فارغة” لا تقدم أي مزايا للجزائريين؟
هؤلاء الناس (اليمين المتطرف) يجب أن يقولوا شيئا ما، ولذلك فإنهم لا يترددون في إثارة هذا الملف مرارا وتكرارا. وأشير هنا إلى أن الخبراء كانوا قد أثاروا بالفعل مسألة اتفاقيات الهجرة لعام 1968، التي أصبحت الآن قوقعة فارغة، ولكن التعاون العلمي والثقافي موجود بالفعل، وهذا ما نحتاج إلى الحديث عنه والتأكيد عليه.

اعتاد اليمين الفرنسي أن يتبنى مواقف متوازنة تجاه الجزائر، أو ما يعرف باليمين الديغولي، هذا التيار واليسار الفرنسي كانا يشكلان دائما كتلة متوازنة من حيث مواقفهما من الجزائر، لكن في رأيكم لماذا هذا التحول في مواقف اليمين وغياب التيار الديغولي؟
أعتقد أن آخر الديغوليين هو دومينيك دي فيلبان، في حين أن بقية اليمين أصبح الآن عبارة عن يمين متطرف، ولقد اختار الانحياز إلى مختلف الأمم الأوروبية، حيث الحركات المنادية بالقومية المنحرفة والإقصاء والسيادة المفرطة.

مقالات ذات صلة