الرأي

“فرقعة” في كل مولد

يتعامل الجزائريون في عمومهم، مع ذكرى المولد النبوي الشريف، كتعاملهم مع فيضانات الخريف، أو جراد الربيع أو جفاف الشتاء، حيث يخرج كل واحد منهم، مرة واحدة في كل سنة، ليُدلي بدلوه، بين من يبحث عن فتوى طائرة عبر الشبكة العنكبوتية، قالها شيخٌ أزهري أو سلفي، أو مستدلّ بمأساة نام صاحبُها في أحد المستشفيات بعد أن فقد عينه أو يده، أو يعُدّ الملايين من المحجوزات من المفرقعات في هذا الميناء أو ذاك المركز الحدودي. وبنفس “الخطاب” وفي نفس التوقيت، تتكرّر نفس الأسطوانة، وبنفس الأذان الصمّاء يستقبل التجار والأطفال هذه “الفرقعات” التي تبيّن مع مرور السنوات بأنها ملء للفراغ.. وللأسف بالفراغ، بمزيد من “المفرقعات”.

هل الاحتفال بذكرى مولد محمد صلى الله عليه وسلم، بدعة أم خصلة حميدة؟ وهل ابتهاج الأطفال بتفجير ملايير الدينارات من المفرقعات، مرحٌ بريء أم تبذير شيطاني؟ وهل قبول عامة الجزائريين بمن فيهم رجال الدين والمتشدّدون بعطلة المولد النبوي الشريف، حق أم باطل؟

أسئلة تتكرّر في كل سنة، وإجابات أيضا تتكرر، و”المشكلة” هي نفسها، والنتيجة تأكيدٌ على إفلاس المجتمع، في إيجاد حلّ لمُشكلةٍ اجتماعية ونفسية بسيطة، فما بالك ببقيَّة المشكلات التي تتعلق بمصيره.

مصالح الأمن والجمارك حجزت هذه السنة قرابة مائة مليون “مفرقعة”، ومع ذلك يصرُّ المهرِّبون والتجار على استيراد هذه “المتفجرات”، إيمانا منهم بأن درجة إدمان الجزائريين على المفرقعات والشماريخ قد بلغت حدّ “الهوس”، الذي يجعلهم يعلمون بأننا على حافة الفقر ويُبذّرون، وبأننا في فم “القرش” ولا يقاومون.

مظاهر البذخ الطفولي التي تتزامن مع احتفالات المولد النبوي الشريف، التي لا نجد مثيلا لها في العالم الإسلامي، تؤكِّد فشل كل المنظومات، التي من المفروض أن تأخذ بيد الأفراد والمجتمع، فالمركز الأخير الذي تحصلت عليه المدرسة الجزائرية في قطاع التعليم، على المستوى العالمي، سيضعنا أيضا في نفس الرتبة تربويا مادامت منظومتنا تربية وتعليم، و”تسوّل” الفتوى من هاته البلاد أو تلك كما يحدث حاليا عبر مناشير تنقل فتاوى رجال اجتهدوا منذ ربع قرن وماتوا، من خلال طبع اجتهاداتهم المنشورة عبر مواقع إلكترونية، واستقالة الأولياء كليا من تحمّل مسؤولياتهم، يبيّن بأننا لا نمتلك أئمة بإمكانهم أن يقدموا النصيحة الفعّالة فما بالك أن يُقنعوا الناس بها، أما عن قوانين الردع “الجمركية” و”التجارية” و”الأمنية” و”الجزائية”، فهي بقدر ما تضرب، بقدر ما يزداد رقم المحجوزات ورقم الضحايا، ورقم استنزاف الموارد المالية، واتساع شرخ الفُرقة بين هذا الحزب “المفرقع” وهذا الحزب “المُحرّم” وخاصة مع الحزب الصامت الكبير.

نحفظ جميعا قوله تعالى: “ولا تكونوا كالذين تفرّقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البيّنات” وقوله: “إن هذه أمتكم أمة واحدة” وقوله: “واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرَّقوا”، ومع ذلك نتفرق في كل أمور دنيانا.. والأمرّ والأدهى، في كل أمور ديننا.

مقالات ذات صلة