فرنسا تلعب بالنار مجددا في مجلس الأمن بشأن الصحراء الغربية
الهدوء الرسمي الذي يطبع العلاقات الجزائرية – الفرنسية في الأشهر القليلة الأخيرة، لا يعني بالضرورة أن الأمور تسير في الطريق الصحيح بين البلدين، فهناك ما يشير إلى وجود “ضرب تحت الحزام”، وفق التعبير الرياضي، تمظهر من خلال تسريبات وتسريبات مضادة، تؤكد أن الأزمة السياسية والدبلوماسية والاقتصادية مستمرة .
وفي منشور له على حسابه في منصة “فايس بوك”، اتهم السفير الجزائري السابق، عمار بلاني، الجمعة 23 أكتوبر الجاري، فرنسا بأنها “تدعم بقوة المشروع الأمريكي الرامي إلى إعادة صياغة ولاية بعثة المينورسو، بما يخدم خطة الحكم الذاتي المغربية”، ما يعني أن باريس ماضية في سياستها التي تسببت في تدمير العلاقات الثنائية .
وفي السياق ذاته، ذكرت تقارير إعلامية أن باريس تريد تشديد الإشارة إلى الحكم الذاتي المغربي في مشروع القرار الأمريكي المتعلق ببعثة الأمم المتحدة لتنظيم الاستفتاء في الصحراء الغربية “مينورسو”، وأوضحت المصادر ذاتها، أن باريس تدفع من أجل جعل مخطط الحكم الذاتي الذي تقدم به النظام المغربي في سنة 2007، هو الأساس الوحيد للتسوية في الصحراء الغربية، كما تعكف على تنسيق عملها مع شركائها.
وفي اليوم ذاته، خرجت وكالة “رويترز” للأنباء بخبر مفاده أن الجزائر أصدرت تعليمات لمنتجي اليوريا (الأسمدة الزراعية) بوقف تصدير هذه المادة إلى فرنسا في تصعيد للخلافات التجارية بين البلدين، والتي أعقبت تغيير الموقف الفرنسي من قضية الصحراء الغربية في سنة 2024، وذلك نقلا عن دبلوماسيين ومصادر في قطاع الصناعة الفرنسية .
وقالت الوكالة، إن وقف صادرات الأسمدة من الجزائر نحو فرنسا أصبح فعليا، وأن الصادرات الجزائرية من الأسمدة تمثل حوالي 30 بالمائة من واردات فرنسا من هذه المادة الأساسية في قطاع الفلاحة. كما أوردت تقارير إعلامية أخرى تأكيدات لهذا الخبر نقلا عن أكثر من مصدر دبلوماسي .
وجاءت هذه التسريبات بعد أيام قليلة من تسريبات أخرى لم يتم تأكيدها أو نفيها، تمثلت في طلب فرنسا شحنات إضافية من النفط والغاز الطبيعي المسال. ويتماشى هذا المعطى مع ما أوردته وسائل إعلام فرنسية في وقت سابق، على غرار كل من مجلة “ماريان”، وصحيفة “لاكروا”، وموقع “لوجورنال دو ديمانش”، عن عزوف المستوردين الجزائريين عن الإقبال على المنتجات الفرنسية، نقلا أيضا عدد من الدبلوماسيين ورجال أعمال فرنسيين ينشطون في مجال التصدير .
وقد أكد، حينها، رئيس غرفة التجارة والصناعة الجزائرية – الفرنسية، ميشال بيزاك، تلك التسريبات بطريقة غير مباشرة، عندما قال معلقا على سؤال لمجلة “ماريان”، إنه “يفضّل عدم الإجابة لتفادي صبّ المزيد من الزيت على النار”.
ومعلوم أن الأزمة التي تعصف بالعلاقات بين الجزائر وفرنسا والتي كانت سببا في استدعاء السفير الجزائري من باريس في جويلية 2024، سببها إخلال الجانب الفرنسي بالقانون الدولي، عندما قرر دعم مخطط الحكم الذاتي للنظام المغربي في الصحراء الغربية، بل واعتباره الحل الوحيد لهذه القضية، وذلك بالرغم من التحذيرات التي تلقاها ماكرون من الرئيس، عبد المجيد تبون، في قمة غالغاري بإيطاليا في جوان 2024، والتي حضرها الرئيس تبون.
وقد قامت فرنسا بالموقف ذاته في شهر أكتوبر من السنة الماضية، عندما باشرت ضغوط قوية على الدنمارك وسلوفينيا القريبة من الجزائر على وجه الخصوص، من أجل دفعها للإقلاع عن التردد في التصويت على المشروع الأمريكي حينها، وذلك خلال الزيارة التي قادت الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى العاصمة ليوبليانا يومي 20 و21 أكتوبر 2025.
ويعني هذا أن الطرف الفرنسي مستمر في موقفه غير الودي تجاه شريك مثل الجزائر، كما قال الرئيس تبون في تصريح سابق، لأن ما تقوم باريس اليوم على مستوى الأمم المتحدة يعتبر امتدادا لمسار بدأ في جويلية 2024، وتكرس في سنة 2025 من خلال الدعم الفرنسي الدؤوب لقرار مجلس الأمن 2797، كما أن باريس مستمرة على النهج ذاته تحسبا لاجتماع 31 أكتوبر 2026، باندفاعها غير محسوب العواقب وراء دعم مشروع الولايات المتحدة الأمريكية المتعلق بتغيير مهمة بعثة الأمم المتحدة لتنظيم الاستفتاء في الصحراء الغربية “مينورسو”.