الرأي

فرنسا و”الإيكليرجية” الجديدة

عمار يزلي
  • 567
  • 1

فرنسا الانتخابات الرئاسية وفرنسا المائلة نحو اليمين اليوم، والمتنافسة على التيمّن باستعمار الأمس، لا تدّخر الآن أي جهد لأجل إحياء سننه ولا تتنكر لمنهجه، تسير اليوم على هديه كما سار بالأمس أحفادها على مدّهِ وتمديدهِ.

لا نكاد نجد منعطفا أو متكأ أو مناسبة في فرنسا إلا ولها مع الإسلام “حسيفة”، ومع المهاجرين “شقيفة”.

اليوم، مع منطعف الانتخابات الرئاسية القريبة، يتنافس المتنافسون في أيِّهم يوكل للمسلمين كَيْلة الغالب، وأيِّهم يكسب وِدّ اليمين واليمين المتطرف أكثر، وكل هذا عن طريق “التشدد” مع المسلمين في فرنسا ومع مسلمي فرنسا، خلافا لموقفها من بقية الديانات والمِلل والنِّحل الأخرى في هذا البلد العلماني الديمقراطي، مبدع ثلاثية الثورة الفرنسية “الأخوّة، العدالة، الحرية”؟!

حل “مجلس الديانة الاسلامية” واستبداله بـ”منتدى إسلام فرنسا” (وليس “منتدى “مسلمي فرنسا”، نلاحظ جيدا الاختيار الدلالي الواضح للمبنى المناسب للمعنى)، بدعوى منع التدخل والتأثير الأجنبي على “إسلام فرنسا”، هو حقٌّ أريد به باطل: ففرنسا هي الدولة “العلمانية”، التي عُرفت بتدخُّلها في كل كبيرة وصغيرة وشاردة وواردة في الشأن الإسلامي الجزائري خلال 132 سنة، هذا من دون ذكر أن هذا التدخل جاء عقب احتلال سافر وكافر، حصد ما على الأرض واجتثّ ما تحت التراب.

فرنسا الاستعمارية، وخلافا لتعاملها مع بقيّة الديانات في الجزائر المحتلة، كما أشار إلى ذلك الشيخ البشير الابراهيمي مرارا وفي العديد من المقالات في “البصائر” تحت عناوين عدة منها مطلبه في “فصل الدولة عن الدين”، كان يعرف ما يريد، فقد كان يشير إلى أن فرنسا المتبجِّحة بالعلمانية وفصل الدين عن الدولة، تقوم بعكس ذلك مع الإسلام في هذا البلد: الإسلام دون غيره. فهي من تُعيِّن وتراقب وتدفع لموظفي الشأن الديني من مفتي  وأئمة ومؤذنين وحزّابين و”باش حزابين”، و”شيخ الإسلام” وتصنفهم حسب الرتب والمراتب والراتب، وتتدخل في هدايتهم إلى “الحق” ونهرهم إذا لم يهتدوا، وفي المقابل تحارب المسلمين الأحرار من جمعية العلماء وتنغِّص عليهم دينهم وحياتهم وعملهم، لا لشيء إلا لأنها دولة علمانية تريد أن تطبِّق فصل الدين عن الدولة، بالتدخُّل في شؤون الدين الإسلامي ولا تتدخل في الشؤون المسيحية واليهودية. لهذا كان الشيخ الابراهيمي يطالب هذه الدولة المحتلة أن تحترم نفسها باحترام مبادئها العلمانية وتكفّ عن التدخُّل في شؤون الإسلام والمسلمين.

وظيفتها نفسها بالأمس هنا، تقوم بها اليوم هناك، مع مسلميها من فرنسيين وُلدوا فرنسيين على التراب الفرنسي ولم يعرف بعضُهم هذا البلد يوما واحدا.

كان الشيخ الإبراهيمي يسمي الموظفين الدينيين المعيّنين من طرف فرنسا أيام الاحتلال، كان يسميهم كما كانت تسميهم الإدارة التي كان يديرها “الشيخ بيرك”، كما لقّبه الإبراهيمي، حيث كان يسميهم بإكليرجي المسلمين “(le clergé musulman)، ناعتا أياهم بنفس النعت الذي كان ينعت بهم رجال الكنيسة في زمن الإقطاع في فرنسا وأوروبا بشكل عام “رجال الإكليروس”. الشيخ الإبراهيمي نادرا ما كان يحتفظ بنفس التسميات التي كانت تطلقها فرنسا على موظفيها، إلا في هذه، فقد صدّق الإدارة الاستعمارية وسمى هيئاتها الإسلامية المعينة فعلا على أنها “إكليرجي” بثوب إسلامي.

هذه هي الفلسفة التي تبني عليها فرنسا “العلمانية” اليوم، الاستعمارية بالأمس، أساسها في التعامل مع الإسلام والمسلمين، سواء كدولة محتلة تجاه شعب مسلم محتل، أو كدولة علمانية عينُها ويدُها على المسلمين دون غيرهم: تتدخل في شؤونهم وتُعيِّن وتهدي وتُرشد وتهدد وتغلق وتُبعد وتمنع وتسخر وتساند الإساءات في حق دين نحو 8 ملايين فرنسي مسلم.

ألا يحق للشيخ الإبراهيمي أن يعيش اليوم من جديد ليعيد قول ما قاله لهم بالأمس: إبليس يأمر بالمعروف؟.. إبليس ينهي عن المنكر؟

مقالات ذات صلة