الرأي

فضائيات الربيع العربي؟

تشترك الفضائيات العربية الخاصة في تعاملها مع الثورات العربية بأنها كانت في معظمها إيجابية مقارنة مع القنوات الحكومية التي التزمت بالحياد في غالب الأحيان، لكن القنوات التي ولدت في حضن هذه الثورات لم تستطع حتى الآن مواكبتها فما السر في ذلك؟.

.

مصر التي لا نحبها

تابعت تغطية قنوات (دريم والحياة، القاهرة والناس، وontv والمحور) للثورة المصرية فلاحظت أنها – في البداية – شاركت في دعمها ورصدت وقائعها حتى خيّل لي أنها تقودها، لكن بمجرد فوز مرشّح الإخوان تغيرت مواقفها وانحازت إلى المجلس العسكري ثم إلى القضاء المعادي للإخوان ثم إلى المعارضة بحيث ذكرتني بأيام حسني مبارك حين استغلها لمهاجمة الجزائر أثناء مباراة كرة القدم لعام 2010م ، ولولا قناة المحور التي تميّزت بالكثير من الحياد لقلت إن خطاب الكراهية لكل انتماء مصري عربي هو السمة المشتركة بين هذه القنوات حين تعود مصر إلى الساحة العربية.

تداولت هذه القنوات الإشاعات والأخبار الكاذبة خلال رئاسة مرسي لمصر لغاية الاستفتاء على الدستور الجديد وما تزال تروّج لها وتحرّض على محاربة “الإخوان” وكأنهم ليسوا مصريين وهي تقدم النخب التي تعتبر الاستفتاء الشعبي إساءة للدولة المدنية باعتبار أن أغلبية الشعب المصري أمي ويستغله هؤلاء الاخوان لصالحهم عبر المساجد وتطالب بأن يكون صوت الأمي في الاستفتاء نصف صوت المتعلم وهي بذلك تذكرنا بمقولات لائكيين جزائريين دون أن تقف عند المادة 61 من هذا الدستور الجديد التي تلزم النظام بالقضاء على الأمية خلال 10 سنوات من تاريخ العمل به.

مشكلة هذه النخبة هي في اعتبار الدستور “الوحدة أمل الأمة العربية” وإقحام مادتي التربية الدينية والتاريخ الوطني في التعليم ما قبل الجامعي مع الالتزام باللغة العربية وتعريب العلوم، ومنع من لا يحمل شهادة جامعية للترشح للبرلمان بغرفتيه والتأكيد على أن الأزهر الشريف هو مرجعية المسلمين المصريين ولكل من الأقباط واليهود مرجعية دينية خاصة بهما، وصحيح أن هناك سلبيات في الصياغة القانونية لهذا الدستور المتكون من 236 مادة إلاّ أنه يبقى أفضل من دساتير معظم الدول العربية بما فيها الجزائر.

.

التضليل الإعلامي المتبادل

تحاول الكثير من النخب المصرية المعارضة لإرادة الشعب تضليل الرأي العام الدولي بالادعاء بـ “نهاية الدولة المدنية في مصر وميلاد الدولة الدينية” ويحاول الاخوان تضليل الأمريكيين بمغازلة اليهود المصريين الذين تصهينوا في عهد جمال عبد الناصر بدعوتهم إلى العودة إلى مصر، كما تحاول النخب إيهام الرأي العام المصري بأن مصر مقبلة على الإفلاس في الوقت الذي يزعم فيه الاخوان بأن النظام المصري يحظى بثقة المؤسسات المالية الدولية لأن صندوق النقد الدولي وافق على منحه قرضا، وهو منطق غريب يشبه منطق النظام الجزائري الذي يقول بأن الجزائر قدمت لصندوق النقد الدولي قرضا بخمسة ملايين دولار مما يجعلها بمنأى عن الربيع العربي في حين أن المؤسسات الدولية تراهن على الاحتياط الجزائري من العملة الصعبة المقدر بـ 200 مليار دولار لسد إفلاسها علما بأن المال الذي يدخل البنوك الأمريكية والغربية لا يعود إلى أصحابه إلاّ عبر منتوج أجنبي والدليل أن الدول الغربية التي ادعى البعض أنها تقف وراء الربيع العربي لم تعد الأموال المهربة إليها من الأنظمة السابقة بالرغم من المطالبة الرسمية باستعادتها كما هو الحال بالنسبة إلى تونس وليبيا ومصر.

الكثير من الفضائيات الجديدة التي رافق ميلادها الربيع العربي في مصر وتونس وليبيا واليمن وسوريا تحولت إلى فضائيات قطرية تدعم الانشقاق والانفصال وتضخم الأخطاء وتتجاهل أخبار بقية الدول العربية مما جعلها مجرد بوق لمن يقف وراءها ممن هربوا العام واستخدموها لتبييضه.

أكاد أشك في وجود قناة عربية واحدة تحمل هما عربيا موحدا بالرغم من أن عناوينها مغرية وأسماؤها تعطي الانطباع بأنها تسعى إلى خدمة المجتمع إلاّ أن أغلبها ما يزال في مرحلة البث التجريبي وإذا استثنينا القنوات التجارية المتعلقة بالأدوية وتسويق الشعوذة واستغلال مشاكل المواطنين والإغراءات المالية عن طريق المشاركة بالرسائل والهاتف فإن بقية القنوات التي لها خط افتتاحي واضح تعد على الأصابع.

.

الفضائيات الجزائرية

لا يمكن أن نتنكر لفضل الربيع العربي على الجزائر فهو الذي مكن بعض الصحف من إنشاء قنوات ووفر الجو لرجال المال والأعمال من المشاركة في الفضاء الإعلامي، ويبدو أن القنوات التي تقف وراءها الصحف أكثر وضوحا في خطها الافتتاحي من التي يقف وراءها المال الخاص، وإذا تمعنا في برامج هذه الفضائيات نجد أن بعض عناوينها مقتبس من قنوات عربية وأجنبية وكأن فكرة الاجتهاد والبحث عن عنوان منفرد مفقودة لدى معدي هذه البرامج، وحتى لا اتهم بالتحامل على بعض هذه القنوات اعطي مثالا واحدا وهو أن عنوان مقالي الأسبوعي في الشروق اليومي”ما لا يقال” بات عنوانا لبرنامج في قناة “نوميديا نيوز” بالرغم من أنه كان عنوانا لكتاب لي صدر عام 2011م، وكانت إحدى القنوات الدولية قد أخذته عنوانا لأحد برامجها إلاّ أنها تراجعت عن ذلك حين اكتشفت أنه عنوان مقال أسبوعي لكاتب جزائري.

ما يؤسف له أن هناك تنافسا حول أخبار الجرائم بين بعض القنوات مما أدى إلى إقحام المشاهدين فيه حيث حاولت إحدى القنوات أن تستغلهم ضد القناة المنافسة لها، ولو كان هناك ميثاق شرف إعلامي للفضائيات الجزائرية لتمكنت من تجنب هذه الأخطاء لكن ما يلاحظ هو الضعف في الأداء والنقص في الخبرة التقنية جعل الكثير من هذه القنوات تلجأ إلى الشارع لتسجيل “كلام الناس دون وضعه في سياق برنامج معين”.

أعتقد أن الإفراج عن قانون السمعي البصري ربما يحرر هذه القنوات من حاجز الخوف من معالجة الكثير من الموضوعات ويحميها من سلطة “حكومة الظل” ويمكنها من أن تصبح “أكثر استقلالية وشفافية ومسؤولية”.

مقالات ذات صلة