الجزائر
اللئام قد يدفعون الكرام إلى الامتناع عنه

“فعل الخير” يجرّ إلى المحاكم والسجون

الشروق أونلاين
  • 480
  • 0

قال الله تعالى “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ” الحج (آية: 77)، الخير كلمة أصبحت تخيف الكثير من الجزائريين بحجة أنه يجلب الأذى والمصائب.. فالرجال في الشوارع لا يتدخلون لحماية فتاة أو امرأة لأن ذلك يجنب طعنات السكاكين أو الجر إلى المحاكم بتهم مختلفة ومتنوعة.. وأصحاب السيارات لا يتوقفون في الطرق السريعة لإنقاذ شخص يطلب إسعافه أو نقله للمستشفى ولو شوهد يقطر دما.. إنه الخوف من المجهول ..وأصبح من الغريب أن يُستقبل عابرو السبيل وطالبو المؤوى ليلا في بيوت الجزائريين إلى درجة أن أهل الخير صنفوا في خانة “الأغبياء”.. لكن من الجزائريين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ولم تثن المصائب ولا السجون ولا نكران اللئيم للجميل، إيمانهم بفعل الخير.

في المحاكم قضايا تعكس واقع نقص وعي بعض الجزائريين خلال فعلهم للخير كتقديم المساعدة لشخص أو الثقة المفرطة فيه إلى درجة الوقوع في الشبهات، وفي جانب آخر فإن بعض هذه القضايا تكشف اتساع فئة من الجزائريين وهي فئة لا تعترف بالجميل وتستغل فاعل الخير في أغراض شخصية والدفع به إلى طريق السوء والأذى.

هي قصص من الواقع المعاش، دفع أصحاب الخير ضريبة شجاعتهم ورفضهم للباطل، ولعل قصة ذلك الشاب الذي انتحل صفة ابن وزير الصحة السابق من أجل إنقاذ امرأة حامل في مستشفى بارني بحسين داي هي واحدة من مواقف الجزائريين الرافضة لـ”الحڤرة” حتى ولو تطلب ذلك دخول السجن. قال حينها هذا الشاب المدعو “ن. ل” وهو من مواليد 1985، إنه مقاول ولا يحتاج لمال، إلا أن الخدمة الإنسانية التي قدمها لامرأة حامل قصدت مستشفى نفيسة حمود يوم 13 جوان الماضي في حدود الثانية صباحا، منحته الكثير من الثقة حيث خضعت لعملية ولادة قيصرية وأنجبت طفلا بعد أن اضطر إلى الصعود إلى مكتب مدير المستشفى، منتحلا صفة ابن وزير الصحة السابق عبد العزيز زياري. ورغم أنه أودع الحبس المؤقت إلا أنه وقف أمام القاضي ورأسه مرفوع لأن “الخير لا يُخجل” حتى و لو أبقاه في السجن. وفي الأخير استفاد من البراءة التامة وكتبت عنه الصحافة مشيدة بشهامته.

وفي قضية أخرى، اتهم شاب يدعى “ع. ج” 35 سنة، يقيم في بوروبة بباش جراح، بسرقة سيارة جاره، حيث طلب من هذا الأخير إعارته السيارة ليسعف صديقه وكانت الساعة الثالثة صباحا، و بعد أن رفض صاحب السيارة؛ “اضطر” إلى سرقتها لأن صديقه، حسب تصريحاته أمام قاضي محكمة حسين داي، كان ينزف دما إثر تعرضه لاعتداء من طرف مجهولين شقوا رأسه بسيف وتطلبت حالته المتدهورة عدم الانتظار، وبالسيارة المسروقة أخذه إلى مصلحة الإسعافات الأولية لمستشفى القبة في الوقت الذي أودع جاره شكوى عن سرقة سيارته نوع “كليو” التي نسي المفاتيح معلقة فيها. فاعل الخير أودع الحبس المؤقت لكن العدالة أنصفته. 

ومن غرائب ما يتعرض له أصحاب الخير من أهل اللؤم، وحسب نوع من قضايا ظهرت في المحاكم مؤخرا، هو دس المخدرات لـ”النويا” كما يطلق عليهم الشارع الجزائري، ما يوصفون بـ”حَسان النية” نسبة للممثل الجزائري رويشد الذي أطلق عليه هذا الاسم في أحد أدواره، حيث بات المتهربون من الديون التي منحها لهم “الملاح” في أيام الشدة، يلجؤون لتوريط المدان لهم في المخدرات للخلاص منه.

وفي قضية تفطن لها الدرك الوطني بحسين داي، حيث قصدهم شخص من الشرق الجزائري يدعى “ش. ك” بهدف التبليغ عن قضية مخدرات متورط فيها حسبه تاجر خضر بالجملة من منطقة بوفاريك يدعى “ب. س” وأخبرهم انه بصدد عقد صفقة في باب الزوار.

وبعد اتصالات أمنية أوقف هذا الأخير بعد العثور على 5 صفائح من المخدرات تقارب رطلاً مخفية بإحكام تحت المقعد الأمامي لسيارته، وتم حجز هذا التاجر لدى مصالح الدرك لمدة 8 أيام على ذمة التحقيق. وقد ضاقت عائلته المرّ في غيابه خاصة وأنه حاج “بيت ربي”. لكن فطنة رجال الدرك بينت “الخيط الأبيض من الخيط الأسود”.

واكتشفت أن ثمة صفقة تجارية مع مستورد من بجاية يدعى “س. ز” تقدر بأكثر من مليار سنتيم، واستلم المستورد البضاعة من “ب. س” ولم يتمكن من تسديد المبلغ بعد وقوعه في أزمة مالية. واعترف شريكه “ش. ك” أنه يعمل لدى المستورد وحرّضه على دس المخدرات في سيارة الضحية أثناء ركنها في حظيرة بباب الزوار وانشغاله رفقتهما في الحديث داخل مقهى. وأدانت محكمة حسين داي، المستورد بـ17سنة سجنا نافذا ومليون دج عن الوشاية الكاذبة والاتجار بالمخدرات. وخرج المدعو”ب. س” سالما.

وقد يصل الخير إلى استقبال الغرباء في البيت وسقيهم من قدر العائلة وإفشاء الأسرار لهم دون وعي ولا حساب لشرِّهم، وهو ما وقع لعائلة مغترب تقطن على مستوى شارع طرابلس بحسين داي، حيث كانت ابنتهم تستقبل زميلتها في الدراسة الجامعية وتطلعها على كل صغيرة وكبيرة.

ولدى في فترة تربصهما في مركز تكوين خاص بحضانة أطفال شركة سوناطراك، أخبرتها أن والدها جلب مبلغا ماليا من العملة الصعبة. وبما أن صديقة ابنة المغترب تعرف تفاصيل البيت، عرضت فكرة السرقة على خطيبها ويدعى”ط. ر” فشاركها التخطيط. وفي يوم كانت متأكدة أن زميلتها ستبقى ليلا عند أقارب في الجزائر الوسطى رفقة والديها وشقيقتها، سرقت في مركز التكوين نسخة مفاتيح شقتهم من حقيبتها اليدوية. الضحية لم تتفطن لأنها ذهبت مباشرة إلى أقاربها حيث يتواجد باقي أفراد العائلة.

وكانت صديقتها تتصل بها بصفة متكررة للتأكد من وجودها هناك، في الوقت الذي حضر خطيبها رفقة صديق آخر له لحسين داي، وصعدا إلى الشقة حيث عثرا على مبلغ مالي معتبر ومجوهرات بقيمة 700 مليون سنتيم. وبعد التحقيق اكتشفت الخطة ومدبريها، فأدانته المحكمة بـ5 سنوات حبسا نافذا ومليون دج فيما عاقبت خطيبته بعامين حبسا نافذا. 

وفي قضية لسيدة من باش جراح استقبلت فتاة في منزلها على أنها يتيمة وأحبتها مثل بناتها وكانت تحكي لها همومها، ولأن هذه السيدة لديها ابنة معوّقة ذهنيا كانت تلك الفتاة تستغل هذا الظرف واتفقت مع خالتها على أن تنصب على هذه العائلة. وبما أن صاحبة البيت أمية كانت تقنعها أنها تعرف “شواف مرابط” بإمكانه علاج ابنتها من سحر محتمل. وكانت تتظاهر أنها تتحدث معه في الهاتف وأنها تحضّر من عنده الخلطات السحرية. وبعد أن وثقت فيها أم الفتاة المعاقة منحتها ذهباً لتبيعه وتدفع ثمن “عمل الشواف”، في الوقت الذي كانت تتحصل على “السحر” من مشعوذ وترشه في منزل مضيفتها إلى درجة أنها سلبت منها ما يفوق 200 مليون سنتيم ذهب دون أن تتفطن لكيد تلك الفتاة.

واستغرب حينها قاضي الجنح لمحكمة حسين داي من تصريح تلك السيدة الضحية، والتي أجابته “أنا أمية وجاهلة إلى درجة أني كنت لا أستمع إلى نصائح بناتي”. وتم حبس تلك الفتاة التي تبين أنها سرقت كمية ذهب منحتها لها الضحية على أنها “تنزع العين والنحس” عنهم بقراءة ذلك المشعوذ ولمسته على المصوغات الذهبية. 

إلى ذلك، أكد رئيس المجلس الوطني المستقل للأئمة، إمام مسجد أبو عبيدة بن الجراح بباش جراح، جمال غول في اتصال لـ”الشروق”، أن الكثير من الناس يعتقدون أن المصيبة التي تبتليهم بعد فعلهم للخير ناتجة عن هذا الفعل لكنهم لا يعلمون حسبه، أن الخير جزاؤه في الدنيا أو يؤجل للآخرة وأن تلك المصائب ما هي إلا تجارب أو اختبار من الله سبحانه وتعالى أو قدر محتوم وليس نتيجة لفعل الخير.

مشيرا إلى أن أسباب فعل الخير أصبحت مرتبطة عند أغلب الجزائريين بالمصالح في حين أن عمل الخير تكون نية فعله في سبيل الله، وأن يقوم صاحبه بالعمل الصالح ولا ينتظر أي مقابل مادي أو معنوي، سوى كسب الحسنات. وقال إمام مسجد أبو عبيدة بن الجراح، إن القاعدة الفقهية تقول “درء المفسدة خير من جلب المنفعة” ويقصد بها أن على فاعل الخير أن يتجنب هذا الخير في حالة قناعته أنه يجلب له مضرة أو أذى، ومن المستحسَن عنده أن يقدِّم المساعدة للأشخاص الذين يعرفهم أو لديه فكرة عامة عنهم مع تفادي سوء الظن في الأشخاص.

ويقول غول إن فعل الخير ومساعدة الجزائريين لبعضهم البعض في هذا الظرف يقوي العلاقات ويعزز حب العطاء ويقضي على ما خلفته الأزمة الأمنية التي عرفتها البلاد والظروف الاقتصادية والمعيشية المتدنية لفئة معينة، والقضاء على فكرة “خدمة المصلحة” التي يتميز بها المجتمع الغربي.

مقالات ذات صلة