فلاحون “يسطون” على أراضي الامتياز الفلاحي ويطردون المستثمرين
وجد مئات المُستثمرين في قطاع الفلاحة عبر الوطن، أنفسهم مُلزمين قانونيا بمغادرة أراضِ شغلوها لسنوات، واستثمروا فيها أموالا بالملايير، إثر رفع الملاك الأصليين شكاوي إلى العدالة، مُستندين على قانون الامتياز الفلاحي الصادر في 2010، ومُدّعين أن المُستثمر تعدّى على مستثمرتهم الفلاحية الفردية أو الجماعية، رغم أنهم أجّروها أو تنازلوا عنها لفائدته منذ سنوات وقبضوا المقابل.
الإشكال المطروح، تسبب فيه تضارب قوانين المستثمرات الفلاحية، والذي جعل أراضي فلاحية مُنتجة رهينة نزاعات في العدالة، ما يؤثر على القطاع الفلاحي بالجزائر. فالمستثمِر الذي حوّل أراضي، معظمها كان بورا، إلى بساتين خصبة، يَعتبره القانون رقم 19 الصادر في 1987 مُتعدّيا على الأرض، لعدم مراعاته إجراءات تسجيل وتشهير عقد الأرض قبل استغلالها. لأن القانون المنظم للمستثمرات الفلاحية يمنع المُنتفعين الأصليين، من بيعها أو التنازل عنها ما عدا استغلالها فلاحيا.
لكن هؤلاء ولأسبابٍ عديدة، كعدم قدرتهم على تطوير الإنتاج لبساطة إمكانياتهم، أو تحوّلهم إلى ممارسة نشاطات غير الفلاحة، أو تنازلهم عن أراضيهم بعد هروبهم أيام العشرية السوداء، جعلهم وفي ظل انعدام رقابة الدولة، يتخلون عنها لفائدة مستثمرين، وبواسطة عقود عُرفية غير مشهرة بالمحافظات العقارية، ليتفاجأ المتنازلون عن الأراضي بصدور قانون الامتياز الفلاحي في 2010، والذي منحهم صلاحيات واسعة في استغلال أراضيهم، وحصولهم على مساعدات مادية من الدولة، مع إمكانية التنازل والتوريث للأرض طبقا لأحكام القانون .
الأمر الذي جعلهم يقررون استرجاع أراضيهم، التي أصبحت جِناناً وبساتين مثمرة عن طريق العدالة، مُستغلين عدم حيازة المستثمر عُقودا قانونية.
وحسب مئات القضايا المطروحة بأروقة العدالة عبر الوطن، خاصة بمجلس قضاء البليدة المختص في معالجة نزاعات أراضي المتيجة الخصبة، فغالبية المستثمرين صدرت ضدهم قرارات طرد نهائية، رغم استثمار بعضهم في غرس أشجار مُنتجة على المدى الطويل، وفاقت قيمة استثماراتهم ملياري سنتيم.
ومع أن المحكمة تُلزم المُشتكين بالتعويض المادي للمطرود، لكن بعض المستثمرين، الذين تحدثت معهم “الشروق”، يرون في الأمر إجحافا لحقوقهم، لأن الخبير مهما دقق في الحسابات لن يتمكن من تقدير المصاريف الحقيقية. وحسب إحصاءات، ففي 2010 سنَةِ صدور قانون الامتياز الفلاحي، تم تسجيل قرابة 600 نزاع بين فلاحين ومستثمرين فقط بسهول المتيجة وضواحيها، ولا تزال القضايا مطروحة إلى حد اليوم.
ومن بينها قضية متعلقة بمستثمرة فلاحية واقعة بمنطقة مفتاح، أين رفع المنتفعون شكوى ضد مستثمر، يتهمونه بالتعدي على جزء من أرضهم، لكن الأخير وحسب تصريحه للمحكمة، فإن الجزء الذي يستغله تنازل عنه صاحبه الأصلي منذ 8 سنوات، وأُبرم عقد التنازل أمام موثق وشهود وبمقابل مادي، وشرع في استثمار الأرض عن طريق غرس مختلف أنواع الأشجار وحفَر بئرين، ليتفاجأ بعدما حان موعد إنتاج أشجار الزيتون بشكوى الطرد.
وفي هذه النقطة يقول المحامي إبراهيم بهلولي: “للأسف، الجهل بالقوانين والتحايل عليها، هو ما أوصل المستثمرين إلى هذه الوضعية، فالمنتفعون الأصليون من المستثمرة الفلاحية يبقون أصحاب الحق، ما دام المستثمر لا يملك عقدا مُشهّرا، ومع ذلك على القضاة مراعاة التناقض في القوانين، وحتى وإن قضوا بالطرد، عليهم المحافظة على حقوق المستثمر، وإقرارهم تعويضا ماديا مناسبا، لا يهمل جهده البدني والوقت الذي أهدره”.