الرأي

فلسطين والكيان: ضعف القوة وقوة الضعف!

مهما علا وتجبر فإن الكيان الصهيوني العنصري مصيره الزوال. القوة العسكرية وحدها والتفوق التكنولوجي وحده أبدا لا يصنع النصر. عبر التاريخ، وكما أبرز ذلك أرنولد توينبي، في مؤلفاته المختلفة وخاصة (الحرب والحضارة)، جميع الكيانات والدول والحضارات عندما تصل إلى مرحلة تعتمد فيها على القوة العسكرية وحدها للبقاء والسيطرة، تنهار وتنفجر من الداخل. ذلك أن القوة العسكرية أو التكنولوجية التي لا تستند إلى بعد إنساني ولا ترتكز على قيم العدالة والحق ولا تملك رؤية في الحياة متوازنة وأخلاقية يتقبلها الناس، يكون مصيرها دائما التفكك والانهيار.
حدث هذا مع الامبراطورية الرومانية منذ القرن الثالث للميلاد، ومع الامبراطورية الإسبانية في القرن السابع عشر، ومع الاتحاد السوفياتي في القرن العشرين، كما حدث لأكثر من دولة اعتقدت أنها تستطيع البقاء وفرض منطقها بالقوة العسكرية وحدها من دون خيارات سياسية وإنسانية واضحة، ومن دون احترام لحقوق الآخرين واعتراف بحقهم في الوجود.
ويحدث اليوم مع الكيان الصهيوني والغرب عامة الذي بدأ يتجه نحو العسكرة لفرض وجوده، بدل الاعتماد على الوسائل المرنة: كالجاذبية الاجتماعية واحترام القانون الدولي وحق الشعوب في الاختلاف معه وتقرير مصيرها… الخ.
ويجسد مجرم الحرب نتنياهو هذا “النموذج” السافر القائم على الإكراه والسيطرة بالقوة بكل وضوح، فهو لا يخفي اعتماده على القوة العسكرية المفرطة، والاعتداد بالتطور التكنولوجي، لتحقيق ما يزعم أنها أهداف اسرائيل الكبرى في نفي تام للوجود الفلسطيني وإمكانية إقامة دولته المستقلة ولأي وجهة نظر أخرى مخالفة.
فهل سينتصر هذا التوجه نهاية هذا الشهر وبداية الشهر المقبل (الانتخابات الاسرائيلية والأمريكية) وهل سيستمر كاتجاه في المستقبل المتوسط والبعيد كما يزعم أنصاره من اليمين المتطرف الإسرائيلي والأمريكي وغيره من الموالين؟
يراهن هؤلاء على أن منطق الحرب والعدوان واستخدام القوة سيمكنهم من البقاء في الحكم، ومن ثم فرض منطقهم وتحقيق أهدافهم في السيطرة على الأطراف الأضعف وغير القادرة على الدفاع عن نفسها! والواقع يقول أنهم إن تمكنوا من البقاء في الحكم، فإنهم لن يستطيعوا الاستمرار في السيطرة على شعوب المنطقة وإلغاء إرادتها الحرة.
بل إن مصيرهم هو مصير جميع القوى التي راهنت على الاستمرار بالقوة الغاشمة وحدها.
ولذلك فإن الحديث عن زوال “اسرائيل” اليوم إنما هو ضمن هذا المنطق الذي تؤيده السنن الإلهية ومنهجية تحليل قيام وزوال الأمم المعتَمدة لدى الباحثين والمفكرين من مختلف التوجهات، وليس مجرد “توقعات” غير مؤسسة أو تفكير رغبوي يلجأ إليه البعض للهروب من حقائق الواقع.
ولذلك فإن مواقف جميع البلدان الرافضة للتطبيع وفرض سياسة الأمر الواقع بالقوة، وكذلك قوى المقاومة المختلفة في فلسطين أو غيرها إنما هي اليوم على الطريق الصحيح، وإنْ تعرضت لاستنزاف في المدة الأخيرة أو أبدى خصومها قدرة على المبادرة باستخدام القوة التدميرية التي يمتلكون!
لقد باتت الآفاق واضحة اليوم، واتسعت مساحة الأمل أكثر، رغم الثمن الباهظ الذي يتم تقديمه اليوم إن على صعيد جبهة الصراع العسكري المباشر أو على جبهة صراع العقوبات والحصار أو على جبهة الحرب الإعلامية. جميعها تقاوم وتدفع الثمن وكلها قناعة أن النصر قادم بإذن الله.

مقالات ذات صلة