فلسفة الغرور
ما كنت أعلم أن للفلسفة غرورا أو للغرور فلسفة حتى قرأت مقالا بالعنوان أعلاه للأستاذ أبي القاسم سعد الله في بدء حياته العلمية والعدلية، وقد نشره في جريدة البصائر، في عددها 170، الصادر بتاريخ 17 ديسمبر من سنة 1951. بحثت فيما تحت يدي من مراجع لغوية وفلسفية عن معنى الغرور، فإذا هو ذو معان عدة، وجميعها ترجع إلى الجذر اللغوي “غرّ” أو “غرر”.. وكثير من هذه المعاني يدل على الغفلة، وعدم التفطن للأمر السّيّء.. والغِرُّ هو غير الناضج، أي الذي لم يجرب الأمور، وينخدع بسرعة إن خُدع، ويُنال منه لقلة فطنته، رغم زعمه “الكمال” و”الفهامة”، وقد كان الإمام محمد البشير الإبراهيمي يقول: “أيها العرب، بعضكم أبرار، وجلكم أشرار، وكلكم أغرار”. (آثار الإبراهيمي 3/533) (جمع غِرّ).
لقد تأمّلت كثيرا، وفكرت كثيرا في أحوالنا نحن الجزائريين المعاصرين فانتهيت إلى أن أكثرنا استحوذ علينا الغرور بمعنييه، بمعنى “الغفلة” و”الانخداع للغير”، وبمعنى “ادعاء الكمال”، وأنه لم يُخلق مثلنا في البلاد، وأننا لسنا “أولاد تسعة” كباقي البشر. ومن الانخداع للغير ما كتبته صحيفة من أن جزائريا “ضحك” عليه بعض الأفارقة، فأوهموه بأن معهم “آلة” تحوّل الدينار إلى اليورو، فصدقهم هذا “الغِرُّ” وأعطاهم “نصف مليار”، فلما تخطفت الطير أولئك الأفارقة أو هوت بهم الريح في مكان سحيق أصبح يُقلب كفّيه، ويعضّ أصابعه ندما على غفلته. (الشروق اليومي 20-1-2017 ص 16).
وأما الغرور بمعنى “ادعاء الكمال” فقد تبين في هذا الحادث الذي عاشه أكثر الجزائريين على أعصابهم في نهاية الأسبوع الماضي، أعني مقابلة الجزائر وتونس في إطار الألعاب الإفريقية في الغابون.. لقد قرأت وسمعت تصريحات كثير من الجزائريين، وكاد الإجماع ينعقد على أن نقاط المقابلة ضد تونس في “الجيب”، “استصغارا” لشأن الفريق التونسي و”استعظاما” لفريقنا، الذي لم ينج من هذه الحالة كثير من عناصره، ونسي الجميع أمثالهم الشعبية التي منها “اللي يحسب وحدو يشيطلو” و”العود اللي تحقرو يعميك”، حتى “انقض نسور” تونس على النقاط وحلقوا بها عاليا. إن هذا الغرور مستول على “مسئولينا” الذين غرهم بعض الملايير في الخزينة، فصرحوا عدة مرات أن الجزائر في منجى من أزمة انخفاض سعر البترول، “حالمين” أن تعود الأسعار بين ليلة وصبحها إلى الارتفاع، ليعودوا إلى سياسة “وين انباتو إذا طاح الليل”.
ومن غرور هؤلاء المسئولين أن يزعم “زاعم”، يظن أكثرهم أن الخطأ لا يقرب ساحته، أن الجزائر قادرة على تنظيم كأسين للعالم !!! وهي العاجزة عن تنظيم مباراة بين حيين في أية مدينة من مدننا..
ومن “الغرور” زعم بعضنا أن سيارة (….) “نتاعنا”، ونحن لا نملك فيها “بولون” واحد.. أنا لا أشكك في كفاءاتنا في جميع الميادين، ولكنني أشكك في سياسيينا.. الذين أوصلونا إلى هذا الدرك الأسفل، “وماحبّوش يطلقو”، غرورا واغترارا بأنفسهم.