الرأي

فن التداول بين بيبسي وكوكا

حبيب راشدين
  • 2634
  • 7

سلوك الناخب ـ وهو يدلي بصوته ـ لا يختلف كثيرا عن سلوكه وهو يتبضع في السوق، سلوك ليست في الغالب عقلانية، بل تخضع لمحفزات تتحكم فيها الأهواء، والغرائز، ومؤثرات يصنعها الإعلام وتقنيات التسويق، وإلا ما كانت المنظومة الاستهلاكية الرأسمالية تنجح هذا النجاح الكبير في تسويق منتج واحد تحت اسمين مثل كوكا كولا وبيبسي (كولا).

فقبل أن تفاجئنا الانتخابات البلدية الأخيرة في تركيا، بفوز غير متوقع لحزب أردوغان، في أعقاب حملة شرسة، وثقت لحصول فساد كبير عند أقرب الناس إلى الزعيم التركي، كانت المسارات الانتخابية في أعرق الديموقراطيات قد عودتنا على قدرة المؤسسات الحاكمة في التمكين لمن تشاء من البدلاء للتداول المنظم على السلطة.

فقد عودنا الديموقراطيون والجمهوريون، العمال والمحافظون، الديغوليون والاشتراكيون على نفس القدر من الفساد، ونفس القدر من الخضوع لقوى المال من مجتمع القلة، ومع ذلك، لا أحد يتوقع اليوم وصول حزب ثالث للسلطة في الولايات المتحدة، وبريطانيا، وفرنسا، خارج هذه الأزواج، كما لا يتوقع أحد دخول منتج ثالث ينافس بجدارة كوكا وبيبسي.

العارفون بتقنيات التسويق يعلمون أن تركيز الحملة الإشهارية على الصورة الذهنية للمنتج عند المستهلك، هو الذي يسوق المنتج وليس مكونات المنتج، حتى إن مستهلك كوكا وبيبسي لا يعلم، بعد أكثر من قرن من الاستهلاك، مكونات هذا المشروب.

دولة نامية مثل إيران فهمت قواعد اللعبة، فابتدعت فيها نخبة الملالي جناحين لحزب واحد، وصنعت لهما صورة للتسويق كمحافظين وإصلاحيين تتداول بهما على الناخب الإيراني، وقد انتقلت أغلب الدول الأوروبية، بما فيها دول أوروبا الشرقية، إلى هذا النموذج بمسميات مختلفة لمنتج واحد، ليصبح التداول على السلطة قاصرا على اليمين الليبرالي، ونموذج مهذب من الاشتراكية الاجتماعية: معبدين لدين واحد.

شعورنا بالحيرة والغبن عند كل استحقاق انتخابي، قد يرد إلى فشل النخبة الحاكمة عندنا في تعليب منتجها، وقصورها في تفعيل أدوات التسويق والإقناع. فقد كان بوسع الناخب الجزائري ان يتحرر من الشعور بالحيرة لو أن النظام أعاد انتاج سيناريو 2004 حين أقنع كثيرا من الناس بوجود فرصة لتنافس حقيقي بين بوتفليقة وبن فليس، مع انتساب المرشحين إلى نفس النظام ونفس الحزب، وهو ما لا يشعر به الناخب اليوم مع وجود نفس المتنافسين.

وربما بات لزاما علينا أن نخفض من سقف توقعاتنا، وبدل التطلع إلى نشوء قوة حاملة لمشروع تغيير حقيقي كما حصل في تشريعيات 1991، نرضى على مضض ببديل عن نظام الحزب الواحد، الذي لم يسقطه دستور 89، يتعدد فيه الحزب الواحد إلى نسختين، يمنحان الناخب على الأقل الشعور بوجود فرصة للاختيار بين منتجين، كما يمحنا السوق فرصة الاختيار بين  كوكا كولا وبيبسي، لأن ذلك هو ما يتفاضل به عنا الناخب الغربي ونظيره التركي والإيراني.

مقالات ذات صلة