الرأي

فن التعتيم على جرائم النخب

حبيب راشدين
  • 2298
  • 0

صورة الصبي السوري الذي لفظته أمواج الأبيض المتوسط إلى شواطئ تركية لم تسلط الأضواء الكاشفة على الماسة الإنسانية التي خلفت حتى الآن أكثر من ربع مليون ضحية، بقدر ما عرت النفاق الغربي في تعامله الانتقائي مع المآسي البشرية التي تصنعها نخبه في كل مكان.

الصورة تداولتها المواقع الاجتماعية بكثافة، وشاهدها أكثر من مليار متصفح للشبكة أرغموا “إعلام المانستريم” على الالتفات للمأساة السورية عبر زاوية مأساة الهجرة التي تؤرق دول أوروبا، فيما كان يتجاهل الحصيلة اليومية للحرب المجنونة في الشام، بآلاف الضحايا من الصبية، والنساء، والمسنين.

الصورة لم تكن صادمة أكثر من صور أطفال دومة، درعة، الزبداني، وحلب، وهم يقبرون أحياء تحت الأنقاظ بعد مرور الطيران الحربي السوري، ولا هي أكثر ترويعا من مشاهد قتل بالجملة للمدنيين بالصواريخ الأمريكية بحجة قتال داعش، مشاهد لم نر منها سوى ما يسمح به النظام المنظم المتحكم في الإعلام العالمي، الذي يقرر وحده متى ينبغي للرأي العام الغربي أن يذرف بعض دموع التماسيح على مشاهد تختار له بعناية.

بعض خبراء الإعلام سوف ينبري للدفاع عن هذا الإعلام المضلل المزيف للحقائق، المشارك في جريمة التعتيم على مآسي الحروب التي يصنعها الغرب، ليفكك بها الدول، ويدمر عمرانها حتى لا يترك من خيار آخر للناجين سوى المجازفة في عرض البحر فرارا من قضاء الله إلى قضاء الله، حجتهم الأولى أن الصحفيين قد دربوا على التقاط قصص مثيرة جذابة تركز على الفرد، لكي تقرأ كما يقرأ حادث مرور، وليس كجزء من جريمة كبرى يرتكبها ذوو الياقات البيض من لنخب الحاكمة في حق شعوب بأكملها.

تذكروا أنه ما بقي عالقا من مشاهد حرب فييتنام سوى صورة متفردة لصبية فييتنامية عارية، هاربة من جحيم قد خلفه قصف أمريكي بالنابالم، وقبلها كان مئات الألوف من القرويين قد أحرقوا بالجملة في قراهم دون أن يتوقف عندهم إعلام يكره بالفطرة تقصي حقائق الحروب الإجرامية التي تقودها الدول، فيعوضنا عنها بصورة مختارة بعناية، لا ينبغي لها أن تعكر مزاج المواطن الغربي أكثر من ساعة.

مع مطلع هذا الأسبوع سوف تذوب الصورة وقد أحاط بها الإعلام من أكثر من زاوية مثيرة، باستثناء التوقف عند منشأها الأول في ما يجري من قتل بالجملة في حرب حمقاء خرقاء، وقد أقفل مساحاته أمام الروايات الصادقة للمأساة التي ألمت بالشعب السوري بحبل من نخبهم المصابة بجنون البقر، وحبل من القوى الإقليمية والدولية التي اتخذت من بلاد الشام ساحة لتصفية حسابات جيوستراتجية ليس فيها للسوريين لا ناقة ولا جمل.

غير أن الصورة سوف توثق بالضرورة إدانة إخلاقية بالجملة: للدولة السورية أولا، ولمن اشتغل على تخريب بلاد الشام من أبنائها، وأخرى تدين العرب والمسلمين وقد خذلوا أشقاءهم ولم يستروا عوراتهم، وفيها إدانة لهذا الغرب الذي صدع رؤوسنا بأساطيره حول حقوق الإنسان، فيما يتسابق إلى إنفاق الملايين لبناء أكثر من جدار في وجه من تقذف به المآسي التي دأب على تصنيعها لأهل الشرق منذ ألفي عام.

مقالات ذات صلة