فوضى الترقيات العقارية تزحف على الأحياء العتيقة
رغم التعليمات الوزارية والتحقيقات العمرانية، تواصل فوضى الترقيات العقارية زحفها على المدن، وإبادتها للأحياء العتيقة وتهديدها للنسيج العمراني، حيث تحولت ظاهرة شراء وهدم منازل فردية لبناء ترقيات عقارية، إلى عملية مربحة استقطبت أصحاب المال، الذين حولوا العديد من الأحياء الهادئة عبر المدن الكبرى، إلى ورشات بناء مفتوحة، معتدين على حرمة المنازل والسكان وضاربين القوانين عرض الحائط، ما جعل المحاكم تعج بقضايا النزاعات العقارية..
بات انتشار الترقيات العقارية كالفطريات في الكثير من المدن، حيث يصبح السكان كل يوم على ورشات بناء جديدة، لعمارات تقام على أنقاض المنازل الفردية، التي تباع شققها على التصميم بمبالغ فلكية تتعدى 4 ملايير سنتيم للشقة الواحدة، حيث يستهدف أصحاب المال، الأحياء الراقية والعتيقة التي تحتوي أغلبها على “فيلات كولونيالية” ومنازل فردية من الزمن الجميل مزينة بمساحات خضراء، لشرائها وتهديمها وتحويلها إلى عمارات شاهقة تحولت إلى أبراج مراقبة تعتدي على حرمة الجيران وتكسر هدوءهم، حيث يضطر العديد منهم إلى بيع سكناتهم هروبا من ضجيج ورشات البناء تعمل العديد منها ليلا ونهارا، مستغلة غياب الرقابة والفراغ القانوني للعديد من البلديات التي باتت توزع رخص البناء دون احترام الهوية العمرانية للمنطقة.
سكان يستغيثون.. حياتنا تحولت إلى كابوس
وللوقوف على تبعيات الظاهرة، التقت الشروق بالعديد من المواطنين القاطنين في مختلف بلديات العاصمة، على غرار بئر خادم والقبة والمدنية والمرادية، من الذين وجدوا أنفسهم بين عشية وضحاها مسجونين وسط أسوار شاهقة من الإسمنت، حرمتهم من أشعة الشمس وضوء النهار، والأسوأ من ذلك أن منازلهم تضررت وتعرضت لانهيارات في بعض الجدران، بسبب هدم المنازل المجاورة لهم وتشييد بدلها عمارات شاهقة بعيدا عن احترام المعايير التقنية ودراسة نوعية الأرض واحترام منازل الجيران، ما جعلهم يدخلون في متاهة القضاء ومراسلة مختلف المصالح المعنية من البلدية والولاية ومصالح الأمن ووزارة السكن..
تحايل على القانون.. منازل فردية تتحول إلى عمارة جماعية
وبحسب شهادات المواطنين الذين تحدثنا معهم، فإن العديد من العمارات التي شيدت بجوارهم، تحصلت على رخص بناء من البلديات على أساس منازل فردية تتكون من طابقين إلى ثلاثة طوابق، غير أن أصحابها تحايلوا على القانون ولم يحترموا رخصة البناء، فتحولت هذه المنازل الفردية “على الورق” إلى عمارات شاهقة في الواقع، تحتوي على مواقف سيارات أرضية ومحلات تجارية وتباع شققها بالملايير للميسورين وأصحاب المال، ورغم الشكاوى التي تقدم بها الضحايا للمصالح المعنية، غير أن الواقع لم يتغير وهذه العمارات تواصل في الانتشار..
أشغال البناء تتواصل بالليل وتؤرق السكان
والمزعج في الظاهرة، بحسب ما عاينته الشروق، أن أشغال البناء في العديد من الورشات تعمل بالليل والنهار، ضاربة القوانين وحاجة الجيران إلى السكون والهدوء عرض الحائط، وهو ما جعل السكان يتقدمون بشكاوى لمصالح الأمن والمصالح التقنية على مستوى البلدية، غير أن المفاجأة والكارثة، بحسب من تحدثنا إليهم، أن العديد من هذه الورشات تحصلت على رخص للعمل حتى في الليل..
ضعف الرقابة زاد من انتشار الظاهرة
وفي هذا السياق، أكدت نائبة رئيس النقابة الجزائرية لمكاتب الدراسات والمهندسين المعماريين المعتمدين علوان زكية، أن العديد من المدن الجزائرية تشهد فوضى غير مسبوقة في المباني الجماعية، التي لا تراعي، بحسبها، أدنى شروط السلامة والأمان، وهي بعيدة عن أعين الرقابة، وانتقدت المتحدثة بشدة في تصريح للشروق، عشوائية توزيع رخص البناء من طرف الجماعات المحلية والتي تحولت حسبها إلى وسيلة للاعتداء العمراني وعدم احترام الخصوصية العمرانية لكل منطقة، ما ساهم في غياب الجانب الجمالي والحضاري للعديد من المدن.
واستغربت مصدرنا التسيب في مراقبة الكثير من الترقيات العقارية والبنايات الجماعية، التي تبنى من دون مرافقة مكاتب الدراسات، ولا حتى مراقبة من الهيئات المختصة في مراقبة نوعية البناء، ما يجعل هذه البنايات التي تمتد لعدة طوابق، بحسبها، إلى مقابر جماعية مهددة بالانهيار في أي وقت، خاصة مع غياب الدراسات المتعلقة بنوعية التربية ومقاييس البناء الحديثة.
وتأسفت علوان زكية لوجود تهاون من السلطات الوصية على تطبيق القانون، وعدم الصرامة في مراقبة البنايات الجديدة، مع قلة الإمكانيات المتوفرة لشرطة العمران، وأكدت أن نقابتها اقترحت قانون يلزم جميع القائمين على مشاريع البناء الخاصة بإجبارية التعامل مع مكاتب الدراسات التي تملك من الخبرة ما يؤهلها لمرافقة جميع أطوار البناء وهي المسؤولة عن ضمان سلامتهم وهي من تحاسب في حال الأمر حيث يسارع المواطنون وحتى أصحاب الترقيات العقارية إلى البناء بشكل فوضوي وسريع ما يجعل بناياتهم تشكل خطرا حقيقيا على ساكينها”.
تساهل في توزيع رخص البناء
وانتقدت نائبة النقابة الجزائرية لمكاتب الدراسات والمهندسين المعماريين المعتمدين، تساهل الأميار في توزيع رخص البناء، وافتقار العديد من المصالح التقنية، على مستوى البلديات، إلى مهندسين يمكنهم مراقبة البنايات الجديدة ومدى احترامها القانون، وقالت إن هناك خللا، “وذلك بمراعاة الطابع العمراني لكل مدينة، غير أن الواقع بعيد عن هذا”.
العديد من المدن العتيقة التي تحتوى على منازل بمساحات خضراء، تتعرض للإبادة والاعتداء على طابعها العمراني الجميل، بتهديمها وبناء عمارات بأكثر من 10 طوابق، العديد منها تبنى على أساس منازل فردية لتسهيل عملية الحصول على رخص البناء، ثم تتحول الى عمارات تجارية بامتياز ويطالب أصحابها بالتسوية للتحايل على القانون، وهو الأمر الذي يتطلب، بحسبها، تفعيل أجهزة الرقابة قبل وفي أثناء عملية البناء واتخاذ إجراءات صارمة ضد المخالفين.
أزمة في تسير المرافق العمومية
وبدوره، أكد رشيد مزياني، مرق عقاري، أن المشكل لا يكمن في الترقيات العقارية التي تعمل وفق القانون بالتنسيق مع مكاتب دراسات ومعماريين، وتسعى للتأقلم مع النسيج العمراني وتفادي إزعاج السكان، بل في التوسع الفوضوي، لأشباه مرقين عقاريين حولوا بناء العمارات إلى عملية تجارية بامتياز، بعيدا عن احترام المعايير التقنية وشروط البناء، ما سينتج عنه خلل في المرافق العمومية للعديد من الأحياء التي تحتمل منشآتها القاعدية على غرار قنوات الصرف الصحي والمياه والغاز والكهرباء عدد معين من السكنات، في حين يؤدي التوسع العشوائي للعديد من العمارات التي تضم سكنات جماعية لاستهلاك المزيد من الطاقة واستغلال قنوات الصرف وغيرها من المرافق التي يصيبها اعتلال من قوة الضغط..
وأضاف مصدرنا أن الترخيص لبناء ترقيات عقارية يحتاج للعديد من الشروط وتكثيف الرقابة، ما يجعل العديد من أصحاب المال يتحايلون على القانون ويتحصلون على رخص بناء لسكنات جماعية ويحولونها بعد ذلك لسكنات جماعية.
تحقيقات وتعليمات وزارية لكبح الظاهرة
وسبق للشروق أن نشرت مضامين العديد من التعليمات الوزارة والتحقيقات لكبح ظاهرة فوضى العمران، على غرار التحقيق الذي باشرته قبل وزارة الداخلية والجماعات المحلية قبل سنتين، في ظاهرة انتشار البنايات السكنية الجديدة، المشيدة في إطار الترقيات العقارية، من مناطق عمرانية، وفوق أراضي كانت تأوي منازل فردية.
وأكدت الوزارة في تعليمة للدوائر والولايات، أن ظاهرة البنايات السكنية الجماعية قد “شهدت منحى تصاعديا”، وأن العلمية تتم إما على مستوى مناطق عمرانية، أو فوق أراضي كانت تأوي منازل فردية، مما أدى إلى تحول أحياء سكينة راقية إلى أحياء ذات كثافة سكانية عالية، وحذرت التعليمة حينها، أن استمرار هذه الظاهرة يؤدي إلى تشبع البنى التحتية والتجهيزات العمومية، وتراجع الخدمات المقدمة فضلا عن أثرها على تطابق وانسجام المخطط المعماري الذي يمس جمالية المدن، كما تؤكد الداخلية.
من جانبها، قالت وزارة السكن والعمران والمدينة، في مراسلة سابقة لمديري التعمير والهندسة المعمارية والبناء، إن ظاهرة انتشار الترقيات العقارية في المناطق الحضرية على أوعية عقارية كانت في الأصل تشغلها بنايات فردية والذي أدى إلى وجود عجز في المنشآت والتجهيزات العمومية، داعية إلى كبح هذه الظاهرة التي تؤثر سلبا على البيئة الحضارية وعلى نوعية حياة المواطنين.
وأكدت الوزارة أن هذه الممارسات لها تداعيات خطيرة على صور المدن ويجب مكافحتها بكل الوسائل، لاسيما من خلال الاحترام الصارم للتنظيم المعمول به وتعبئة الموارد البشرية التي تتدخل في المراقبة في مجال التعمير.
وأوضحت المراسلة أن “انتشار الترقية العقارية على حساب التماسك والتناغم المعماري لمدننا يعود إلى الممارسات غير الشرعية التي تتجلى غالبا في الورشات غير القانونية وغير مصرح بها والتي تطلقها جماعات فاعلة، خاصة بهدف التحايل في استخدام الأراضي لفرض زيادة هامش الربح”.
زحف عمراني جديد وصراع “بارد” بين السكان
ولمحاولة فهم التأثير الاجتماعي لهذه الظاهرة وأبعادها التاريخية، أكد الأستاذ الجامعي في علم الاجتماع، الدكتور يوسف حنطابلي، “أن الزحف العمراني الذي عرفته الجزائر بعد الاستقلال من خلال تقاسم الريع العقاري عاد خلال السنوات الأخيرة، بنظرة الفئات الاجتماعية الزاحفة إلى المدينة على العمران فتحول إلى سجل تجاري يستثمر فيه المكان لبناء سكنات جماعية، المهم فيها هو أن تكون جزء من ساكنة ذلك الحي دون مراعاة الصورة الجمالية للحي ولا القيم الاجتماعية التي توارثها السكان الأصليين “.
وأضاف حنطابلي في تصريح للشروق أن هذه الظاهرة من المنظور الاجتماعي قد تؤدي إلى صراع بين قيم الوافد وقيم الساكن الأصلي، خاصة أن الوافد له نفوذ مالي وإداري عكس الأصلي الذي له هاجس المحافظة على جمالية الحي التي طبعت الثقافة الجزائرية بعد الاستقلال، قائلا: “حتما، هذا سيعرف مظاهرة اجتماعية تفقد لكل ضبط اجتماعي مما يؤدي إلى صراع حول امتلاك رمزية المكان والمعنى الذي يعطيه للساكنة”.
وأضاف محدثنا أن الجزائر تعرف نموا ديموغرافيا وكثافة سكانية رهيبة منذ مطلع القرن الحادي والعشرين وتمركز أغلب السكان في المناطق الحضرية مما حتم بناء سكنات جديدة لتلبية الطلب المتزايد من جهة وتفادي ظهور أحياء فوضوية من جهة أخرى، لكن الملاحظ، بحسبه، أن الطابع العمراني للسكنات الجديدة التي هي أغلبها جماعية تجارية “فوضوية” لا تعبر عن خصوصية الهوية الحضارية للمدن التي بنيت فيها.
وأكد المختص في علم الاجتماع، أن هذا الواقع العمراني حذر منه الخبراء في السبعينيات، عندما كانت الجزائر تبني السكنات الجديدة، على اعتبار أنها لا تتجاوز كونها مراقد لا غير، دون هوية حضارية تعكس ثقافة الجزائر الحقيقية، وشدد حنطابلي أنه يجب إعادة النظر في سياسة الإسكان والطابع العمراني للأحياء الجديدة وفق عقد اجتماعي يعيد للمدينة الجزائرية هويتها الحضارية المفقودة لتنشئة فرد جزائري متمدن، مما ينعكس على المستوى الاقتصادي والسياسي والثقافي، وقال إن انتشار السكنات الجماعية بشكل عشوائي، على شكل ترقيات عقارية هو نوع جديد من “اغتصاب المدينة” حيث بات أصحاب المال والنفوذ يهدمون منازل فردية عتيقة أو “كولونيالية” ويحولونها إلى عمارات شاهقة كسرت حرمة وهدوء السكان وهذا ما ينجر عنه مستقبلا العديد من الصراعات الاجتماعية بين السكان..