-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

فوضى الحرية لذة زائلة

الشروق أونلاين
  • 1293
  • 0
فوضى الحرية لذة زائلة

الحرية فكرة في الذهن ومبدأ من مبادئ الحياة السياسية والخطر يكمن في غيابها.. أما الإمساك بها فتُعدُّ المهمة الأصعب على الإطلاق والنضال في سبيلها شاقٌّ وطويل.
لدى استعراض وقائع تطور الديمقراطية في العالم الغربي، وشروط قيامها نظاما اجتماعيا متكاملا يحقق التوازن المنطقي في معادلات الحياة، يضمن وجودا فاعلا للإنسان القادر على تقديم إضافات حضارية جديدة.. نجد أنَّ الشرط البيئي العربي الغائب يجعل التحول الديمقراطي المنشود أمرا “مستحيلا… مع غياب السوق، القوة العسكرية والتطور التكنولوجي: صفة الابتكار والإبداع.
باعتبار الحرية القيمة الأساسية المطلقة.. فقد كانت الليبرالية المضمون الرئيسي المحرك لأبرز التحولات العالمية:
1ـ الثورة الفرنسية
2ـ الحركة اللبرالية في العالم
3ـ الثورة الاشتراكية
وكانت الثورة الفرنسية والحركة الليبرالية قد ثارت ضد الإقطاع وأرست قواعد حرية التجارة وفتح الأسواق وكسر القيود، ورسخت حرية الاعتقاد وحرية التعبير وحرية التملك وحرية الشغل وأصبحت نصوصا في المواثيق الدولية وأقرتها مبادئ الأمم المتحدة..
أما الثورة الاشتراكية فقد أقرت حريات من نوع آخر تلخصت في الحرية الاجتماعية الهادفة إلى تحرير الإرادة من قهر الفقر والبطالة والحرمان من التعليم والصحة والنمو الروحي.. بينما قيدت مبدأ الحرية السياسية والحق في اختيار النظام السياسي والبناء القانوني، واستطاع الشعار الذي رفعه الغرب: “الحرية وحقوق الإنسان” أن يكتسح كل الشعارات والمضامين الأخرى للحرية بما فيها مضامين الحرية التي طرحت مبادئها الثورةُ الاشتراكية.
وأدرك الغرب أن الضامن للحرية التعددية من أخطار الفوضى.. هو إنشاء المؤسسات، التي من خلالها تتحول القوى الاجتماعية بمصالحها المشترَكة من قيود الوعي الطبقي إلى دائرة الوعي الاجتماعي الأوسع.
وتبقى نقطة الأمن الذي تنشده الحرية.. تكمن في ربط الصلة بين المصالح الطبقية مع المصالح الاجتماعية الكبرى.. باكتشاف الرابط الجدلي بين المصلحتين، فكان ظهور الأحزاب التي تعبِّر عن الرؤية الطبقية والرؤية الاجتماعية في نسيج متكامل.
فكرة الديمقراطية، الوجه الظاهر في تقاليد الحرية التي يطمح إليها الإنسان في كل مكان.
اكتشفت الحرية فكرتها المرادفة لها وهي الديمقراطية أو حكم الشعب، القائمة على الالتزام برأي الأغلبية.. وهنا ظهرت أهمية بروز وسائل جديدة للتأثير في الرأي العام.. هي قانونية بكل تأكيد وإن كانت لا تحتوي على سلامة النية.
وتسعى القوى السياسية والاجتماعية المختلفة لاستمالة الكم الأكبر من الرأي العام إلى آرائها، اعتمادا على الصحف ووسائل الدعاية ونظريات التأثير في الناس.
وكان من يمتلك صحفا أكثر ويستخدم رجالا أبرع هو من يضمن وجود الأغلبية إلى جانبه، لذلك وصل الأمرُ إلى ظهور شركات كبرى للدعاية والإعلان تروِّج في آن معا للسلع وللأحزاب.
وأضحى هذا التوجه مستفيدا من نظريات مختلفة وهو يستخدم الانجازات العلمية والتكنولوجية في قياس الرأي العام وميوله وتحولاته والعوامل المؤثرة في مزاجه من أجل الوصول إلى غاية معينة هي إقناع الرأي العام.
واحتلت تكنولوجيا الاتصال الأهمية القصوى مع اهتمام التزايد بوسائل إقناع الرأي العام.. فهي أكثر التكنولوجيات تطورا إذ تقف وراءها المصالح السياسية والاقتصادية ولقدرتها في استقطاب كل اكتشاف جديد في العلوم الاجتماعية والنفسية ووضع رؤوس الأموال الجاهزة لتجريبه وتوظيفه.
ولم تكتف القوى السياسية والاجتماعية طبعا.. بوسائل الاتصال المشروعة أسلوبا للإقناع.. إذ تستخدم وسائل أخرى كالضغوط الاقتصادية أو شراء الزعامات والتجسس على الخصوم وإحداث التكتلات السياسية.
الالتفاف حول الديمقراطية فن بارع لا يجيد صياغته أي كان.. لكن الولايات المتحدة الأمريكية أوجدت صيغا وأدواتٍ لا تتأثر بإشكالية الأطر القانونية والتشريعية بل توظفها لصالح ممارستها غير المشروعة في الالتفاف حول الديمقراطية لتحقيق أهداف ومصالح نفعية ضيقة.
نظريات جاهزة في مبدإ “الحرية” فاضت بها خزائن الغرب.. وتعددت أسماء المفكرين والفلاسفة الذين أرسوا دعائم منهجيتها.. بينما المكتبة العربية تخلو من الخصائص النظرية في منهجية الحرية المعاصرة وإظهار دعائمها الشكلية، فالتصدي لموضوعة الحرية يعدُّ قفزا طائرا على شرط بيئي أو قل شروطا لم نكتسبها في ما كسبناه من مورثات فكرية وفلسفية.. وغاب الحضور الفعلي في مسيرة حضارة إنسانية قطعت أشواطا طويلة لا يمكن اللحاق بها.. في ظل غياب المستلزمات المنطقية.
وباستعراض شروط قيام مجتمع ديمقراطي قائم على العلاقة الجدلية بين المال والديمقراطية.. حيث لا تبقى ديمقراطية دون سوق.. ولا قوة عسكرية دون سند اقتصادي.. ولا قوة اقتصادية دون قوة إبداع وابتكار ـ تكنولوجياـ على حد تعبير المفكر الفرنسي “جاك أتالي”، فإن إرساء قواعد الديمقراطية في الوطن العربي يُعدُّ ضربا من ضروب المستحيل.. فالغائب أكبر من الرغبة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!