فيروز رشام تعري العنف المسلط على النساء المتعلمات وتسائل المنظومة الفقهية
تعالج فيروز رشام في أول أعمالها الروائية “تشرفت برحيلك” موضوعا لطالما كان طابو في المجتمع الجزائري، وهو أهلية المرأة المتعلمة ومكانتها في المجتمع من خلال قصة معلمة تتعرض لأبشع أنواع الظلم والتحقير من طرف العائلة.
تضعنا الرواية أمام الوجه البشع لمجتمع ما بعد الإرهاب الذي لطالما تساءلنا من أين يأتي بهذا الكم من العنف والجريمة المتفشية. الرواية تجيب عن جزء من هذه الإشكالية، جزائر ما بعد الإرهاب لم تصارح نفسها ولم تبحث جيدا في مخلفات الأزمة الأمنية التي تركت جروحا غائرة في النفوس والنسيج الاجتماعي حيث يذهب المجتمع الجزائري يوما بعد آخر في اتجاه الانغلاق والتطرف خاصة فيما يتعلق بوضعية المرأة ومكانتها.
تطرح الرواية بعيدا عن التهويمات الشعرية التي عادت ما تغرق فيها الرواية النسائية المعربة علاقة المرأة بالنص الديني أو أكثر دقة بالتفسيرات الفقهية التي تعطي للنصوص في تعاملها مع النساء “قضية القوامة، الحجاب، المحرم والذمة المالية للنساء” المرأة في الجزائر رغم أنها قطعت أشواطا بعيدة في التعليم والحضور الاجتماعي لكنه حضور سطحي لأن هذا لا يحصنها من العنف ولا يمنحها حق التصرف في حياتها الشخصية بحرية. الاستغلال المالي للنساء المتعلمات عادة هو طابو ربما تخجل النساء من الحديث عنه لكن الروائية اختارت شخصية المعلمة للدلالة على خطورة وعمق المشكلة، فهذه المرأة التي تشرف على تكوين وإعداد أجيال وتغرس فيهم القيم هي نفسها لا تملك قرار حياتها وهذا في حد ذاته استفزاز للمنظومة الفقهية وطريقة طرحها للأسئلة المتعلقة بالمرأة وما جاورها من الحجاب إلى المحرم. فهل يعقل أن تكون المرأة في أعلى المناصب وهي لا تملك حتى حق التصرف في راتبها الشخصي؟
نقطة أخرى تطرحها الرواية وهي قضية تحول الدين إلى مظهر اجتماعي وإفراغه من كافة الأبعاد الروحية فالحجاب مثلا تحول من رمز ديني إلى وسيلة “حماية” للمرأة من استفزاز الشارع حيث تقول الروائية على لسان البطلة: “في الغد ألبستها الحجاب كما أمر حتى لا تتكرر مأساتي، فأنا لم أتحجب حتى شبعت الضرب من فؤاد. حجّبتها لأحميها من أب يفترض أن يكون هو حاميها” الأب لم يعد يحمي ابنته بل بالعكس قد يتحول إلى سبب تعاستها ومشاكلها. لكن أيضا تحيل هذه الجملة أو الموقف إلى مسؤولية المرأة عن إعادة إنتاج ظلمها والحفاظ على التراتبية الاجتماعية التي تكون سبب العنف الذي تعاني منه.
من جهة أخرى، تتناول الرواية مفهوم الأنوثة الذي يختصر في الجسد، فالبطلة يتخلى عنها المجتمع بعد إصابتها بالسرطان واستئصال ثديها المرأة المريضة تصبح بلا أهمية في المجتمع خاصة إذا فقدت جزءا من جسدها هو في النهاية رمز للأنوثة.
الجميل في رواية “تشرفت برحيلك” أنها جاءت خارج السرد النمطي للروايات النسائية التي تكتفي بتوصيف حالات العنف لكنها كتبت بوعي وتدرك “أنه من الصعب أن تكوني امرأة” لكن النماذج النسائية التي تقدمها الرواية ليست خانعة أو ضعيفة أو مستسلمة لقدرها لكنها نماذج قوية مكافحة تسعى لتغيير قدرها ومصيرها وتحول الهزيمة إلى نصر. البطلة تقرر خوض معركة الحياة وتشهر الطلاق في وجه المجتمع “تشرفت برحيلك” العنوان في حد ذاته إحالة إلى الطرح الذي تتبناه الروائية التي تستفز القارئ للذهاب إلى أبعد من النص والخوض في الخلفيات. ترى ما هو الفرق بين الزواج الشرعي والدعارة إذا كان الزواج مؤسسة اجتماعية تقوم على إذلال المرأة وليس عشا للسكينة والرحمة كما يقره الدين الصحيح؟ سؤال يضعنا في قلب إشكالية التغيرات التي عرفها المجتمع الذي لا يزال يعتقد أو بالأحرى يدعي أن المرأة يحميها أخوها أو زوجها لكن الرواية تؤكد ما تنشره الصحافة يوميا من أرقام مروعة عن الجرائم التي تستهدف النساء ويكون مصدرها بيت الزوجية.