الرأي

في الرد على أبواق المخزن

بقلم: الدكتور أمين كرطالي / أستاذ بجامعة المدية
  • 3486
  • 0

لطالما كان تسييس العلوم وأدلجتها سببا في تزييف الحقائق وتحريفها، ومن ذلك تسييس التاريخ وأدلجته لأجل تبرير احتلالٍ غاشم أو اعتداء ظالم وتحويل الكذب والخزعبلات إلى مسلّمات يتلقّفها أصحابُ العقول المحدودة والنفوس المريضة والحقودة. وهذا ما تقوم به الدعاية المغربيّة منذ استقلال الجزائر سنة 1962 وإلى غاية اليوم. وهي دعايةٌ قائمة على مغالطات تاريخية صارخة، وأخطاء منهجية فادحة غرضُها المشاغبة من أجل المغالبة وليس إقامة الحجّة بالأدلّة والبراهين الدّامغة.

ولأنّ المخزن يشنّ حملة تضليلية لتحريف التّاريخ وفق ما يتناغم وأهواءه، ويُمارس السّطو الممنهج على نصوصه بغرض التشويه والتحريف والتلاعب بالمصطلحات، كان من الواجب التصدّي لهذه الحملة عبر سلسلةٍ من المقالات التي سنفنّدُ من خلالها مزاعم المخزن حول تاريخ الجزائر وحدودها ورموزها ومسألة الصحراء الغربية وغيرها من القضايا الرّاهنة.

إنّ أوّل تلك التَّفاهات هي قولهم إنّ الجزائر لم تُصبح دولة إلا بعد الاحتلال الفرنسي، وهو الكلام الذي تفوّه به الرئيس الفرنسي ماكرون مؤخّرا، ثمّ ادّعى هذا الأخير أنّ كلامهُ هذا هو رأي المؤرّخين المتخصّصين من أمثال الباحث والمؤرّخ الفرنسي”بنجامين ستورا” قبل أن يظهر ستورا ويُكذّب ماكرون في حوار تلفزيوني قائلا:

“إذا لم تكن هناك دولة جزائرية قبل الاحتلال الفرنسي، فمن الذي تلقَّى ضربةً بالمروحة سنة 1827م؟ أليس القنصل الفرنسي؟! يعني أنه كان هناك قنصلٌ لفرنسا في الجزائر، وإذا كان هناك قناصلة فرنسيون متعاقبون لسنوات وسنوات في الجزائر، إذن كانت توجد دولة ذات سيادة!”.

إنَّ بنجامين ستورا وكثيرا من الجزائريين ردّوا على الرّئيس الفرنسي ماكرون وأنصار الطرح المخزني من خلال التركيز على الدّولة الجزائرية خلال الفترة العثمانية ولهم أسبابهم الموضوعية، أمّا أنا فأحببتُ أن أكون أكثر تعمّقا، وأعود بالقارئ الكريم إلى الفترة الوسيطة التي سبقت الحقبة العثمانية والتي عرفت فيها الجزائر قيام عدّة دول متعاقبة في فترات متلاحقة.

وقبل ذلك، ينبغي التنبيه إلى أنّ أبواق المخزن -وفي مُغالطة منهجية صارخة- استخدموا الكثير من مصطلحات الفترة الوسيطة لتوظيفها في غير سياقها الزمني الصحيح، فمثلا حاولوا أن يُصادروا لفظ “المغرب” ويختزلوه في دولة المغرب الحديثة، لذلك تراهم كلّما وجدوا نصا ورد فيه اسم المغرب بادروا إلى احتكاره ونسبوه إلى دولة المغرب الحالية، وبذلك حرّفوا الكثير من الحقائق حول تاريخ الجزائر وموريتانيا والصّحراء الغربية باستعمال هذا الأسلوب المفضوح.

وواضحٌ أنّ مصطلح “المغرب” عند الجغرافيين العرب من أمثال البكري وابن حوقل والإدريسي والزهري وغيرهم خلال الفترة الوسيطة يُمثّلُ المساحة الممتدّة من غرب الإسكندرية بمصر إلى غاية المحيط الأطلسي.

أمّا المغرب الحالي فالأصل أن تتمّ تسميته “ماروك” أو مملكة مراكش MOROCO، فكلمة مراكش كان ينطقها السكان المحليون من القبائل البربرية هكذا “ماروك” وعنهم أخذها الإسبان ثمّ الأوربيون، لذلك سنستخدم مصطلح “بلاد المغرب” بمعناه الجغرافي الواسع فيما سنعبّر بـ”دولة المغرب” عن الدّولة المغربية الحالية.

ومن المعلوم أنّ بلاد المغرب في الفترة الوسيطة؛ أي منذ الفتح الإسلامي وإلى غاية سقوط غرناطة، كانت عبارة عن أربعة أقاليم: (برقة وطرابلس– إفريقية- المغرب الأوسط- المغرب الأقصى) وكلّ إقليم من هذه الأقاليم كانت تستقرّ فيه عدّة تجمّعات قبليّة وتشرف عليه دولة أو عدّة دول في آن واحد، فكيف توصّلت أبواق المخزن إلى نفي وجود دولة جزائرية مع علمهم بوجود عدّة دول أشرفت على إقليم المغرب الأوسط؟

لو وجّهت هذا السؤال إلى أحدهم فسيجيبك بكون تلك الدول التي حكمت المغرب الأوسط لم تكن لها نفس حدود دولة الجزائر اليوم، ولم تحمل اسم “دولة الجزائر” ولم تتوفّر على المؤسسات السياسية والاقتصادية التي ينبغي أن تتوفر عليها الدّولة !

إنّ سبب إجابتهم بهذا الجواب هو حصرهم لأنواع الدّولة في نوع واحد هو الدولة الوطنية، ومعلومٌ أنّ هذا النّوع من الدّولة مُستحدَثٌ ووليد العصر الحديث، فحتى الولايات المتحدة الأمريكية لم تُصبح دولةً بهذا المفهوم إلا في أعقاب عهد جورج واشنطن حين تمّ وضع دستور 1789م ونفس الكلام ينطبق على فرنسا وبريطانيا… الخ، ناهيك عن دُولنا العربية التي كانت عند بدايات تشكّل الدّولة الحديثة إمّا تابعة للخلافة العثمانية أو تُعاني من نير الاستعمار الأوروبي أو مجرّد إمارات متناحرة وقبائل متقاتلة تعيش على هامش الحضارة.

ويكفي أن نستأنس في تأكيد كلامنا هذا بقول المؤرِّخ الفرنسي جيلبار مينيي الذي صرّح بأنّ الأمّة الفرنسية لم تكن موجودةً في القرنين السابع عشر والثّامن عشر، بل وحتّى خلال النصف الأوّل للقرن التّاسع عشر فقال: (لو سألنا خلال هذه الفترة أشخاصا من غرونوبل وليون عن جنسيتهم فلن يفهموا هذا السؤال).

كما يؤكّد هذا الكلام المفكِّرُ المغربي عبد الله العروي في مفهوم الدّولة وحديثه عن الدولة الوطنية القومية، وقد بيّن ذلك أيضا العلامةُ المغربي إدريس الكتاني في مقاله الموسوم بـ”المغرب الحائر بين الوطنية والقومية” الذي قال فيه: “كانت فكرة الوطنية الضيّقة من بين الأفكار التي حملها الاستعمارُ الغربي معه إلى شعوب العالم العربي التي وقعت تحت رحمته منذ مطلع هذا القرن” ويضيف قائلا “فالشعب المغربي لم يعرف الوطنية الضيقة في حياته منذ عرف الإسلامَ وآمن به دينا”.

إذا فنفيُ الدّولة الوطنية الحديثة عن الجزائر وكذا دولة المغرب وتونس وكل بلدان العالم خلال الفترة الوسيطة هو من البديهيات، بل من الغباء إثباتها لدولة ما قبل النصف الثاني من القرن العشرين.

لقد عرفت بلاد المغرب عموما والمغرب الأوسط على وجه الخصوص وجود الدّولة حتّى قبل الفتح الإسلامي، وفي منتصف القرن الثاني للهجرة تأسست بأرض الجزائر أوّل دولة في بلاد المغرب وهي الدولة الرستمية (160هـ /777م)التي سبقت في تأسيسها حتّى دولة الأدارسة في فاس والأغالبة في افريقية. وكان لهذه الدولة عملتُها الخاصّة ونظام حكمها وميناؤُها، كما ربطتها علاقاتٌ خارجية بالأندلس والسودان الغربي وبآل مدرار في إقليم سجلماسة.

وتتسم الدّولة الوسيطة بطابعها القبلي؛ فالقبيلة هي الرّحم الذي نشأت في أحضانه الدويلاتُ المغاربية، ولهذا قام ابن خلدون بتفسير تاريخ بلاد المغرب من خلال دراسة القبائل المتغلِّبة، إذ تبسط القبيلة نفوذها على من تحتها من القبائل والتجمُّعات السكانية وتقبض الضرائب وتشرف على تنظيم الرعي والتجارة وحركة القوافل وتُجهِّز الجيوش وتباشر بناء المنشئات العمرانية وتتحول تدريجيا من طور البداوة إلى مرحلة التمدن والحضارة.

ولم تكن الحدود السياسية للدول التي نشأت في بلاد المغرب عموما مرسومةً ولا مضبوطة، وليست هي نفسها الحدود الجغرافية التي بدورها لم تكن محلّ اتّفاق بين الجغرافيين. ولم تكن الحدود ثابتة بل اتّسمت بطابعها المطاطي وعرفت حالاتٍ من المدّ والجزر بحسب الظروف والحوادث حسبَ اتّساع مجال نفوذ القبيلة المتغلّبة والدّولة المتمخّضة عنها.

إذن، فالدولة التي عرفتها بلادُ المغرب عموما وبلاد المغرب الأوسط إلى غاية الفترة العثمانية بالنسبة لتونس والجزائر وإلى ما بعد الحماية الفرنسية بالنسبة لدولة المغرب هي دولة القبيلة. وبهذه الطّريقة فقط يمكننا تفسير التاريخ وقراءتُه بطريقة صحيحة وفي سياقه المناسب لأنّ الدُّول التي نشأت في المغرب الأوسط والأدنى والأقصى آنذاك كانت في الغالب تحمل أسماء القبائل المتغلّبة كالدولة الزيرية والحمادية والمرينية والزيانية والحفصية.

الدولة التي عرفتها بلادُ المغرب عموما وبلاد المغرب الأوسط إلى غاية الفترة العثمانية بالنسبة لتونس والجزائر وإلى ما بعد الحماية الفرنسية بالنسبة لدولة المغرب هي دولة القبيلة. وبهذه الطّريقة فقط يمكننا تفسير التاريخ وقراءتُه بطريقة صحيحة وفي سياقه المناسب لأنّ الدُّول التي نشأت في المغرب الأوسط والأدنى والأقصى آنذاك كانت في الغالب تحمل أسماء القبائل المتغلّبة كالدولة الزيرية والحمادية والمرينية والزيانية والحفصية.

وكان لقبائل المغرب الأوسط قصبُ السبق في تأسيس الدَّولة لأنّها أكثر قبائل بلاد المغرب الإسلامي عددا وأشدّهم قوّة ومراسا،  وظهرت على أيديهم دولٌ عظيمة على يد قبائل كتامة وفروع صنهاجة وبطون زناتة وغيرها.

وتمكّنت هذه القبائل من توسيع مجال نفوذها نحو المغربين الأقصى والأدنى كما فعلت قبائل كتامة وصنهاجة وقبائل بني مرين الزناتية، بينما نجد أن قبائل المغرب الأقصى مثلا قد اقتصر حكمُها في الغالب على إمارة فاس أو بلاد الريف أو منطقة السوس ما عدا المصامدة الذين تمكنوا من إحكام قبضتهم على سائر بلاد المغرب الإسلامي.

إنّ تحديدنا لمصطلح “دولة القبيلة” سيجعلنا نُدرك أنّ قبيلة بني مرين التي أسست الدولة المرينية بالمغرب الأقصى وكذا قبيلة صنهاجة التي أسست الدولة الزيرية في افريقية، هي قبائل تنحدر من المغرب الأوسط قامت بتوسيع مجال نفوذها.

إذا، فقد عرفت الجزائر قيام عدّة دُولٍ وهي دُول قبيلة، وهذا هو شأن كلّ دول العالم الإسلامي آنذاك. وباشرت حكمَ الجزائر قبائلٌ متغلّبة أو أسرٌ حاكمة، وكان لهذه الدول حدودٌ تتَّسع وتضيق بحسب قوّة وضعف نفوذ تلك القبائل.

كما أنّ هذه الدّول صار لها عواصم ومدنٌ سلطانية وعملة خاصة بها وجيشٌ يحمي حدودَها ونظُمٌ سياسية واقتصادية خاصّة بها، وكان تطوّر الدّولة بحسب عمرها وقوّتها وهو الأمر الذي ينطبق تماما على الدولة في إفريقية والمغرب الأقصى.*

مقالات ذات صلة