الرأي

في القرارة

بالرغم من تحذيرات الطبيب وإنذاراته لي من خطر أي جهد بدني أو فكري أبذله، وبالرغم من نصائحه المشددة بإخلادي إلى الراحة، بالرغم من ذلك فقد “عصيته” ولبيت دعوة كريمة من “شعبة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين”، و”جمعية جيل المستقبل الثقافية” بمدينة القرارة “ولاية غرداية” للمشاركة في ندوة بمناسبة الذكرى الثانية عشرة لوفاة “الرئيس الشرفي” لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين الشيخ سعيد بن بلحاج شريفي، المعروف باسم “الشيخ عدون” وذلك يوم 21-10-2016.

قيل إن “السفر قطعة من العذاب”، وقيل: “إن العذاب قطعة من السفر”، ويتضاعف هذا العذاب إن كان السفر في الجزائر.. ولا فرق في ذلك بين أن يكون برا، أو بحرا، أو جوا.. وما عليك إلا أن تستعين بالصبر.. 

ومع ذلك فقد يتحول هذا “العذاب” إلى “عذب” إن وقع السفر في ظروف حسنة، وأهمّها “الرفقة الطيبة”، و”المركب الهنيّ” و”الطريق الأمان”.. 

كان رفيقاي في السفر “أطيب من الطيب”، وهما الدكتور عبد الرزاق قسوم، رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، الذي يفعل في الفلسفة – وهي تخصصه الأكاديمي– ما يفعله الصايغ في قطعة معدنية عادية فيغلفها بطبقة من الذهب فتنبهر بها العيون، فالفلسفة كما عرّفها خصومُها هي “البحث عن سرير أسود غير موجود في غرفة مظلمة”، ولكنها عند الدكتور قسوم تصبح “آية قرآنية كريمة”، أو “حديثا نبويا شريفا”، أو “حكمة شعرية”، أو “مثلا سائرا”.. ونعمت الفلسفة.. 

وثاني الرفيقين هو الأستاذ غازي بوشامة، الذي يغلب عليه الصمت العميق والتأمل الدقيق، فهو يعرب بصمته عن معاني يعجز عن الإعراب عنها بعض “طويلي الألسن”، وقد آتاه الله –عز وجل– ميزة طيبة هي “صدق الإحساس” في بعض الناس الذين لم يسبق له اللقاءُ بهم، والاستماعُ إليهم.. وقد “ابتلانا” الله –عز وجل– في هذه الرحلة بلقاء شخصين لا يعرفهما، واستمع إليهما، ولم يسبق أن حدَّثناه عنهما، فلما خلا بنا (الدكتور قسموم وكاتب هذه الرقوم) صارحنا بما أحس به نحوهما فخُيّل إلينا أنه يعرفهما كما يعرف أبناءه، وصدق رسول الله – صلى الله عليه وسلم– القائل: “إن المؤمن ينظر بنور الله”. 

كان موضوع الندوة هو “دور العلماء في الحفاظ على الهوية والوحدة الوطنية”، وهذا الموضوع من الموضوعات التي “لا تموت”، لأنه إذا كان لا بد من وجود شعب أو أمة، فلا مكنة لذلك إلا بوجود ما يسمى “الهوية”.. والهوية هي روح الأمة أو الشعب، إذا كان الصهيوني ابن جوريون يقول: “إن التوراة هي وطننا”، وإذا كان الصليبي الجنرال دوغول يؤكد “أن فرنسا هي روح المسيحية، والمسيحية هي روح فرنسا”، فإننا نقول كما قال أوائلنا، وكما يؤمن به أكثرُنا أن الإسلام هو روحنا، وهو هويتنا، ويغش الجزائرَ، بل يخونها، كل من يعمل على تجريدها من هويتها التي رضيتها لنفسها من غير إكراه منذ أربعة عشر قرنا.. و”ما جمعته يد الله لا تفرِّقه يد الشيطان” كما عبَّر الإمام عبد الحميد ابن باديس.. 

برغم ما أصاب غرداية والقرارة من فتنة، فقد أحسسنا أن الأمور هادئة، وأن الأمن مستتبّ، وأن الجروح بدأت تلتئم، وتأكدنا أن الفضل الأكبر في ذلك يعود إلى الإسلام الحنيف، وأن “القيتارة لا تصنع أمة” كما يقول أخونا الدكتور علي ابن محمد، شفاه الله. 

لقد أجمع المتدخلون في هذه الندوة على أن حراس هذه الهوية، والمرابطين على ثغور هذه الوحدة الوطنية هم العلماء العاملون، خاصة بعد أن ابتلانا الله –عز وجل– في 1830 بأخطر وباء، وهو الوباء الفرنسي، الذي ما يزال كما يقول “رمزُه” –الجنرال دوغول-: إن الجزائر ستبقى فرنسية رغم “خروج” (إخراج) فرنسا، كما بقيت فرنسا رومانية رغم خروج روما.. 

لقد أحس الشبان المنظمون لهذه الندوة أن هناك “مؤامرة” داخلية وخارجية ضد هذه الهوية، و”مخططا” داخليا وخارجيا يستهدف وحدتنا الوطنية، فبادروا بتنظيم هذه الندوة، تحريكا للجامدين، وتنبيها للغافلين، وتذكيرا للناسين، وتحذيرا للكائدين ومن الكائدين.. ولو كانوا من “بني جلدتنا” كما يقول الإمام ابن باديس. 

لقد كان الشيخ عدون وصحبه طوال وجودهم في هذه الحياة يحدوهم “الأمل والعمل” يعملون على “إفساد” مخطط المفسدين – وتدمير تدبير كيد الكائدين، فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلا– وقد ورّثوا هذه المبادئ لمن جاء بعدهم، واقتدى بهداهم، وقد أقسموا كما أقسم الأولون على أن يقضوا سوادهم وبياضهم على أن يبقى الشعب الجزائري مسلما، وإلى العروبة منتسبا، وباللسان العربي مغردا.. وقد ذكر الحاضرون بما قاله الشيخ عدون لمن طلب منه – باسم “وزير”- تعيين شخص لإلقاء حديث ديني باللهجة الميزابية من “أن الإسلام في الجزائر لا يُقدَّم إلا باللسان العربي، أما الميزانية فنستعملها لقضاء حوائجنا العادية. 

إن الإسلام لا يجعلنا “مواطنين” فقط، بل يجعلنا “إخوة”، وهذا الجعل ليس تطبيقا لتوجيهات “زعيم” أو “بطل” أو شخص مما “يكبر” في صدور “الصغار”، بل هو من “صنع الله” عز وجل، و”الأخوَّة في الله” – كما يقول الإمام ابن باديس– “فوق ما يُقبل وما يُردّ” ما لم يكن المردودُ “دينا قيِّما” أو “لسانا مبينا”، أو “وطنا جامعا”، والباقي “لا يُفسِد للودِّ قضية”. لقد أنزلنا منزلا مبارَكا، في بيت الدكتور يوسف شريفي، وأشرف على الاهتمام بنا وإكرامنا بـ”الكلام الطيب” قبل “الأكل الطيب” عميد الأسرة العدّونيّة، أستاذنا الشيخ بلحاج شريفي، وإخوانه الأكرمون محمد شريفي الخطاط الفنان، ويوسف شريفي الطبيب الماهر، وبكير شريفي الأستاذ القدير..

وقد أدينا صلاة الجمعة في مسجد الشيخ “علي دبوز”، وكان الإمام هو الأخ الأستاذ أبو إسماعيل الذي لا يعرف أن يتحدث عن الإسلام، واللغة العربية، والجزائر، وجمعية العلماء إلا بصوتٍ جهير، وإشارات معبِّرة.. 

وبرغم ما أصاب غرداية والقرارة من فتنة، فقد أحسسنا أن الأمور هادئة، وأن الأمن مستتبّ، وأن الجروح بدأت تلتئم، وتأكدنا أن الفضل الأكبر في ذلك يعود إلى الإسلام الحنيف، وأن “القيتارة لا تصنع أمة” كما يقول أخونا الدكتور علي ابن محمد، شفاه الله. 

وعلى كل جزائري وجزائرية من تلمسان إلى تبسة، ومن تمنراست إلى تيزي وزو أن يتأكد أنه لا بقاء لنا إلا بثلاثة أسس هي: 

*) توحيد الله –عز وجل– ولنحمد الله على أن جعلنا “كلنا” مسلمين إلا شرذمة قليلون. 

*) وحدة الجزائر.. ولنلعن – سرا وجهرا– كل شيطان –إنسي أو جني– يريد أن يفرِّقنا، و”لنرجمه كإبليسا” كما يقول مفدي زكرياء. 

*) محبة الجزائريين على المبدأين السابقين.. رغم اختلافاتنا الجزئية والفرعية، فـ”الاختلاف في الرأي لا يُفسد للودِّ قضية”. 

وعلى السادة العلماء، والإخوة الأئمة أن يؤدّوا ما ائتمنوا عليه، فإن لم يفعلوا فقد خانوا الله والرسول وخانوا أماناتهم وهم يعلمون.. 

حفظ الله الجزائر من كيد الكائدين، وعبث العابثين.. ومن الذين يحسبون أنهم يُحسنون صنعا وهم من المفسدين – ولتعرفنهم بسيماهم وفي لحن القول.

مقالات ذات صلة