الشروق العربي

في حين يفرح آخرون بنجاح بسيط.. ما سر خيبة المتفوقين؟

نسيبة علال
  • 2201
  • 0

تتكرر بعض المشاهد، مع نهاية كل موسم دراسي، مزيج بين دموع الفرح، زغاريد، صور تذكارية، واحتفالات بالنجاح مهما كان بسيطا، وتتكرر مفارقة لافتة أيضا، أن تلاحظ الحزن والخيبة على تلاميذ يحققون معدلات مرتفعة جدا وكأنهم فشلوا، في الوقت الذي يحتفل فيه آخرون بمجرد الانتقال إلى القسم الأعلى أو نيل شهادة بمعدل عادي…

ظاهرة “الفرحة المنقوصة بالنجاح” هذه، بحسب مختصين، تكشف وجها نفسيا واجتماعيا معقدا للعلاقة بين التفوق الدراسي وتقدير الذات، وما يزرعه الأولياء من قناعات في أبنائهم.

يملك المتفوقون، خصوصا أولئك الذين اعتادوا على المراتب الأولى، نظرة خاصة للتفوق، فهم لا يقيسون النجاح بمعناه المعتاد، وإنما بمقدار اقترابهم من “الكمال”. قد يتحصل أحدهم على علامة 17 أو 18 من 20، لكنه يشعر بالانكسار لأنه لم يبلغ 20 كاملة، أو لأنه فقد المرتبة الأولى بفارق أجزاء بسيطة. بالنسبة إلى عائشة بن ربيع، أخصائية نفسية: “بدل أن يكون الإنجاز الكبير مصدر فخر يتحول إلى إحباط، هذه الحالة ترتبط بما يسمى “الكمالية المرضية”، حيث يربط الشخص قيمته الذاتية بالنتائج المثالية فقط، وغالبا ما يزرعها الأولياء في أولادهم، إذ لا يكون تركيزهم على المعدل المرتفع، بل على النقاط الضائعة”…

فكثير من الأبناء يسمعون بعد تحقيق معدلات عالية عبارات مثل: “كان بإمكانك أن تتحصل على علامات أفضل، ما يجعل بعض المتفوقين يعيشون تحت ضغط دائم، وأي تراجع، ولو طفيف، يعدونه سقوطا وفشلا، ومع مرور الوقت، يصبح النجاح نفسه عبئا نفسيا، بدل أن يكون دافعا إيجابيا.

المقارنة تصنع من المتفوق فاشلا

لا يتوقف الأمر على المتفوق ذاته، أو على أسرته فقط، بل يلعب المجتمع والبيئة المحيطة ككل دورا محوريا في تكريس هذا الشعور، حين يتحول التفوق إلى واجب لا إلى إنجاز استثنائي، فإن الطفل أو المراهق يعتقد أن الحب والاعتراف مرتبطان فقط بالعلامة الكاملة، وليس بالمجهود المبذول، حتى مواقع التواصل الاجتماعي، تساهم مؤخرا في تعميق هذه الثقافة التي حولت النجاح الدراسي إلى ساحة مقارنة مستمرة، فبمجرد إعلان النتائج، تمتلئ المنصات بصور المعدلات الأسطورية، وقصص الأوائل، والتعليقات التي تضع سقفا مرتفعا جدا للنجاح… وهكذا يشعر المتفوق الذي حقق نتيجة ممتازة بأنه أقل قيمة، فقط لأنه قارن نفسه بمن حقق نتيجة أعلى بقليل.

تقول ملاك، المتحصلة على معدل 17.93 في شهادة التعليم المتوسط: “كان الجميع سعيدا جدا بنتيجتي، واحتفلوا معي في اللحظات الأولى لإعلانها، إلى أن انتشرت المعدلات وصور الكشوف على المواقع، فبدأ والداي بإرسال منشورات الناجحين بمعدلات أعلى والمصنفين الأوائل ولائيا ووطنيا، شعرت بالقهر والخيبة، تلاشت فرحتي ونسيت أني الأولى على مستوى إكماليتي”.

عندما يكون التحدي هو النجاح وليس التفوق

في المقابل، نجد تلاميذ آخرين يعيشون فرحة حقيقية بمجرد النجاح أو الانتقال إلى مستوى أعلى، والسبب بحسب الأخصائية النفسية، عائشة بن ربيع: “أن هؤلاء يقيسون الإنجاز مقارنة بظروفهم الخاصة، لا مقارنة بالآخرين”.. فقد يكون النجاح بالنسبة إلى أحدهم انتصارا على صعوبات عائلية أو نفسية أو مادية أو صحية، لذلك، يحتفل به بكل عفوية وامتنان، حتى وإن كان المعدل متوسطا،  وهنا يظهر الفرق بين من ينظر إلى النجاح كرحلة وتطور شخصي، ومن يراه سباقا لا يقبل سوى المركز الأول، وتؤكد الأخصائية: “أن أخطر ما في هذه الظاهرة، هو أثرها على الصحة النفسية للمتفوقين، فالإحساس الدائم بعدم الرضا قد يقود إلى القلق المزمن، واضطرابات النوم، وفقدان الثقة بالنفس، وحتى الاكتئاب… كما قد يدفع بعض التلاميذ إلى الانهيار عند أول تعثر حقيقي، لأنهم لم يتعلموا تقبل النقص أو التعامل مع الفشل الطبيعي في الحياة.”

وبين من يحتفل بنجاح بسيط بكل رضا، ومن يبكي رغم معدل مرتفع، تبدو الحاجة ملحة إلى إعادة تعريف معنى النجاح، وترسيخ ثقافة تقدر الجهد والتوازن النفسي، لا فقط الأرقام والترتيب.

مقالات ذات صلة