في ذكرى تأسيس الجامعة العربية
77 سنة تمرّ اليوم على تأسيس “جامعة الدول العربية” في القاهرة في 22 مارس 1945، أقلّ من شهرين على إعلان انتصار الحلفاء على ألمانيا النازية في 8 مايو 1945، والمجزرة الرهيبة التي اقترفتها فرنسا الاستعمارية في حق شعبنا الذي خرج مبتهجا بهذا النصر الذي غذاه الأمل في نصرته واستقلاله عن المستعمِر الفرنسي، فكان أن جُوبه بالنار والقنص والتنكيل. تعود اليوم هذه الذكرى، وقد تغيرت أشياء وتعثرت أشياء، ليس في جامعة الدول العربية فحسب، بل في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية. الجامعة العربية التي تواجه أكثر ما تواجهه اليوم ضرورة وجودها ومطلب نشأتها، في توحيد البلدان العربية وتعاونها و”تحالفها”.
كان مقترح “التحالف”، من بين المقترحات الأخرى لتسمية هذه المؤسسة الجامعة لما تبقى من دول تحت الانتداب والحماية البريطانية والفرنسية، فقد اقترحت سورية اسم “التحالف العربي”، فيما كان المقترح العراقي تسمية هذه المؤسسة الجديدة بـ”الاتحاد العربي”، ثم كان أن توافق الجميع على التسمية المصرية “الجامعة العربية”، التي بعد النقاش، عُدّلت التسمية إلى “جامعة الدول العربية” باعتبارها مؤسسة تجمع الأعضاء على ثلاثة أهداف رئيسية: التعزيز والتنسيق في البرامج السياسية والبرامج الثقافية والاقتصادية والاجتماعية لأعضائها. التوسط في حل النزاعات التي تنشأ بين دولها أو النزاعات بين دولها وطرف ثالث. الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي بين الدول الموقعة – فيما بعد – على اتفاق 13 أبريل 1950. الدول المؤسسة وهي: مصر، سورية، العراق، لبنان، الأردن، السعودية، اليمن، لم تتخذ “حق الفيتو” سبيلا لفرض قرارات الجامعة، وفضلت أن تُتَّخذ القرارات فيها بالإجماع، على أن الإلزامية لا تخص إلا الدول التي صوَّتت على القرار.
قد يكون هذا من بين الدواعي التي تستوجب اليوم إعادة النظر أو المناقشة، وقد يكون ذلك متاحا في القمم المقبلة ابتداء من قمة الجزائر المقبلة في 1 و2 نوفمبر 2022؛ فالقرارات هي قرارات الأعضاء وهم الآن نحو 20 دولة، ينبغي أن تُدرس بعناية وتُؤخذ بإجماع يكون في إجماع على الالتزام به. غير أن هذا يتطلب إصلاحات داخلية وهيكلية أخرى، وتنقية الأجواء بين الأعضاء حتى لا تتحول القممُ العربية إلى قمم مناكفات وصراعات وتلاسن مما يُفشل الهدف الذي أقيمت لأجله القمة والجامعة ككل.
ترهُّلُ النظام العربي وبداية التصدعات الداخلية بدأت مع التطبيع مع الكيان الصهيوني، وكان السبب المباشر في التشرذم الأول في هذا المؤسسة. مصر التي وقعت اتفاقية كامب ديفيد، وهي الدولة المحورية الجامعة المانعة المحاربة المدافعة عن فكرة توحيد الأمة العربية، تجد نفسها على طاولة واحدة مع الكيان الصهيوني قبل أن يقرر الراحل السادات زيارة دولة الكيان في سنة 1977، لم يكن أحدٌ يتوقعه ولا ينتظره، وكلّف ذلك الجامعة العربية والعرب ومصر والرئيس المصري نفسه، غاليا. النتيجة، كانت أن نُقل مقر الجامعة العربية من المقر الرئيس في القاهرة مؤقتا إلى تونس تحت رئاسة التونسي الشاذلي القليبي مدة 10 سنوات، من 1979 إلى1990، تاريخ بداية أزمة الضعف العربي وانهيار الاتحاد السوفيتي، والتي أذنت بعودة العرب إلى حضن الحاضنة الأولى رغم ما حدث. حدث هذا مع تجميد عضوية بلد مؤسس مثل سورية، وهي اليوم كذلك، إذ من المرجح أن تعود سورية إلى مقعدها في الجامعة في قمة الجزائر المقبلة. سيقال عنها أيضا كما قيل عن عودة مصر للجامعة: الجامعة هي من عادت إلى سوريا كما عادت الجامعة قبلها إلى مصر، وستكون العودة والانطلاق الجديد من الجزائر.. بلد التجديد ومضرب الأمثال في التوحيد ونصرة القضايا العادلة وتقديم المبادئ على المصالح.