الجزائر
مكتبته العامرة تكشف جوانب من شخصيته

في ذكرى رحيله الـ37… “الشروق” تدخل منزل الشيخ عطية مسعودي

نورين. ع
  • 109
  • 0

37 عاما مرت على رحيل العلامة الشيخ سي عطية مسعودي، غير أن مرور الزمن لم يطفئ حضوره في ذاكرة تلاميذه ومحبيه، بل ظلّ اسمه مرتبطا بالعلم والدين والمطالعة والتأليف، وبمسيرة رجل جعل من المعرفة جزءا أساسيا من حياته، وترك خلفه أثرا لا يزال حاضرا بين من عاصروه ومن واصلوا الحديث عن سيرته ومناقبه.

في منزل الشيخ، لا تبدو الذكريات مجرد حكايات يرويها أبناؤه وتلاميذه، بل تتحول تفاصيل المكان نفسه إلى صفحات من سيرته، فهناك داخل غرفته الخاصة، كان يقضي الراحل جزءا كبيرا من وقته، محاطا بكتبه ومؤلفاته، يطالع ويبحث ويكتب، بعيدا عن صخب الحياة اليومية،  غرفة صغيرة لكنها كانت بالنسبة إليه فضاء للعلم والتأمل، ومكانا يعود إليه بعد الصلاة ليواصل رحلته بين صفحات الكتب.

وبين رفوف هذه المكتبة، بقيت آثار الرجل حاضرة، كتب جمعها وقرأها، وأخرى ظلّ يرجع إليها في بحثه ومطالعته، وفي هذا المكان وجدنا نجله، الشيخ يحيى مسعودي، جالسا وسط كتب والده، يستعيد شيئا من ذكريات الطفولة والحياة التي عاشها إلى جانب رجل كان يرى في القراءة أكثر من مجرد هواية، ويعتبرها وسيلة دائمة لاكتساب المعرفة وتوسيع المدارك.

ومن بين ما يتذكر نجله من وصايا والده، تأكيده المستمر على أهمية المطالعة، وضرورة أن يظل الإنسان باحثا وقارئا مهما بلغ من العلم، ولم تكن مكتبة الشيخ شاهدة فقط على كثرة قراءاته في العلوم الشرعية، بل كانت تضم مؤلفات متنوعة، تكشف عن فضول علمي ورغبة في الإطلاع على مختلف الأفكار والتيارات الفكرية.

ومن بين الكتب التي وجدها نجله بين رفوف المكتبة، كتاب لمؤلف روسي يناقش مسألة وجود الله، وهو كاتب عُرف بتوجهه الإلحادي وكان الشيخ سي عطية مسعودي يقرأ لهذا الكاتب، لا من أجل التشكيك في عقيدته، وإنما رغبة في فهم طريقة تفكير الآخر، ومعرفة كيف ينظر صاحب الكتاب إلى مسألة وجود الله وما الحجج التي يعتمد عليها في طرح أفكاره.

وهنا تظهر إحدى سمات شخصية الشيخ، فهو لم يكن يرى أن الإطلاع على الأفكار المختلفة لا يعني بالضرورة التأثر بها أو تبنيها، بل كان يتعامل معها بعقل الباحث الذي يريد أن يعرف ما يقوله الآخر وكيف يفكر وكانت قناعته وإيمانه بالنسبة إليه منطلقا لفهم الأفكار ومناقشتها، لا حاجزا يمنعه من الإطلاع عليها. هذه الحادثة التي يستحضرها نجله من بين كتب والده تختصر جانبا مهما من شخصيته العلمية، رجل لم يكتف بقراءة ما يوافق أفكاره، وإنما حاول أن يوسّع دائرة معرفته، وأن يقرأ حتى لمن يختلف معه فكريا وعقديا، وهو ما يكشف عن سعة إطلاعه وحرصه على المعرفة.

وفي منزل الشيخ، بدأ الحديث عنه وعن مناقبه، فاستحضر تلاميذه ومحبوه ذكرياتهم معه، وتحدثوا عن علمه وأخلاقه وطريقته في التعامل مع الناس. لكل واحد منهم حكاية، ولكل تلميذ صورة خاصة لرجل ترك أثرا في حياته، لكن القاسم المشترك بينهم جميعا هو الحديث عن مكانة العلم في حياة الشيخ وحرصه على إفادة من حوله.

ولم تكن علاقة الشيخ بالكتاب تنتهي بمجرد القراءة، فقد كان العلم بالنسبة إليه مسؤولية، والمعرفة وسيلة لخدمة الناس وتوجيههم، لذلك بقيت مؤلفاته وكتبه جزءا من ذاكرته، وبقيت الغرفة التي كان يجلس فيها شاهدة على ساعات طويلة قضاها بين صفحات الكتب.

بعد 37 عاما من رحيله، عاد تلاميذه ومحبوه إلى منزله، لا لاستحضار ذكرى رجل غاب فحسب، وإنما للحديث عن عالم ما تزال أفكاره وحياته حاضرة. وبين جدران غرفته، وسط الكتب التي تركها، يبدو حضور الشيخ سي عطية مسعودي أكثر من مجرد ذكرى، فالمكان لا يزال يحتفظ بآثار قارئ ومؤلف جعل من الكتاب رفيقا، ومن المطالعة عادة، ومن العلم رسالة امتدت آثارها إلى من جاء بعده، وهكذا كلما فتحت رفوف مكتبته صفحة من الماضي، عادت معها سيرة رجل عاش للعلم وترك وراءه كتبا ووصايا وذكريات، لتبقى قصته متداولة بين تلاميذه وأبنائه ومحبيه، وتظل مكتبته شاهدة على أن بعض الأشخاص يرحلون بأجسادهم، لكن آثارهم تبقى حاضرة في الكتب، وفي ذاكرة من عرفوهم، وفي المكان الذي شهد أجمل سنوات عطائهم.

مقالات ذات صلة