… في سوسيولوجيا “الكسل الاجتماعي”
غالبا ما يربط العالم المتخلف اقتصاديا واجتماعيا، قياسا بـ “التطور” الحاصل في الغرب الأوروبي والأمريكي، بـ “الكسل الاجتماعي”، ورفض العمل، وهو ربط فيه تجنّ على الجغرافيا والإنسان معا، لكون العمل مرتبطا فعلا بالإنسان كممارسة واعية، هادفة، لكن “الكسل” ليس سمة خاصة بإنسان وبجغرافيا محددة، إذ إن للعمل وللكسل محددات وأسبابا ودوافع بيئية، اجتماعية اقتصادية، وتنشئية لا يمكن لمحدد أن يختزل باقي المحددات، وإن كان أحد المحددات يكون هو الأساس والبقية لها مساهمات في تحديد هذا الموقف من العمل.
غالبا ما نرى ونلاحظ أن المجتمعات الواقعة أسفل خط الاستواء، في كل القارات التي يمر بها هذا الخط الوهمي، غالبا ما تكون “فقيرة”: تحت خط الفقر أو في طريق الخروج منه، لكن الإنسان هنا مرتبط بجغرافيا الحرارة والجفاف وقلة الماء وما يتبعها من قلة الموارد السهلة الاستخراج أو الفلاحة.
الجنوب، ومنذ أكثر من 3 آلاف سنة، وجد نفسه في دورة كونية لكوكب الأرض، ينتقل من عصور الثلوج والبيئة الغابية المائية إلى عصر الجفاف، مما دفع إلى الهجرة شمالا وشرقا، حيث المناخ ألطف والحياة أسهل، سواء من أجل الزراعة أم الصيد أم الرعي، وإلى اليوم نشهد موجات الهجرة هذه باتجاه الشمال. الشمال الذي نمت فيها الأشجار بفعل الأمطار ومياه الأنهار ونمت فيها الحياة الزراعية والرعي، التي مهدت لعصر الفلاحة ما بعد إنسان “نياندرتال” وإنسان “جاوا” ومجيء أولى الهجرات من “الإنسان العاقل الحديث”، المسمى “هوموسابيان”.
العمل والكسل الاجتماعي، مرتبطان بالأساس بتنوع الاختيارات وكثرتها لدى الإنسان الحديث المعاصر: عندما لا يكون للإنسان غير خيارين أو ثلاثة، يفضل الإنسان دائما أن يكون أسهلها وأجداها نفعا هو الخيار الأول، إذ إنه كان عليه أن يختار ما بين العمل، صيدا أو رعيا أو فلاحة أو جنيا لموارد الغابة أو ما تجود به الأرض من أعشاب وبذور قابلة للأكل، وما بين الموت جوعا. كان عليه أن يختار أحيانا أن يسرق وأن يسفك الدماء من أجل الحصول على الأكل والمأوى، لكن في غياب الثروة، كان الفقر سيدا جماعيا، وعليه، كان له في الغالب خياران فقط: العمل أو الموت.
اليوم، عندما تتوفر للإنسان ظروف رفاهية أكبر، يصير العمل خيارا أخيرا، وإذا كان ولا بد له من عمل، فالإنسان يفضل العمل السهل، ذا الدخل الكبير، والسريع زمنيا، بمعنى أنه يقوم بتفضيلات ويضع شروطا للعمل: عمل سهل، بأجر وفير وثروة سريعة. هذا التفضيلات، لا يجدها الإنسان في بلد فقير يعتمد مثلا على الفلاحة أو الرعي دون غيرهما، في هذه الحالة يفضل أن يبحث عن عمل أقل مشقة وأكثر مردودية وأكثر سرعة في تحصيل موارد نقدية تكفيه لبناء مستقبله، فيضطر إلى الهجرة باتجاهات تضمن له ذلك عمليا أو نظريا. غير أنه إذا فضل البقاء، فعليه أن يقبل بالعمل الشاق المضني بأجر زهيد طول حياته، وهنا تكون خياراته محدودة جدا.
في المجتمعات النفطية العربية خاصة، حيث الثروة وحيث توفير الدولة إما عبر النموذج الاجتماعي الاشتراكي أو عبر النموذج الحر الرأسمالي، يكون العمل متوفرا في قطاعات أكبر، وتكون الخيارات أوفر، حتى إن العامل يحتار أحيانا: أي عمل يقبله، فلا يرضى في النهاية بقبول أي منها، مدعيا “قلة فرص العمل”، التي تعني بالنسبة له: قلة فرص العمل “غير الشاق، المدر للربح السريع”. هذه مواصفات العمل لمن يواجه خيارات أكثر أمام تحدي العمل، وإذاك، يصبح العامل “كسولا” اجتماعيا.