الرأي

في لُـجّ البحر

بقلم: علي الطنطاوي –رحمه الله-
  • 349
  • 0

مات علي الطنطاوي. وليس عجيباً أن يموت، والموت غاية كل حي، ولكن العجيب أن يرجع بعدما مات ليصف لقرائه الموت الذي رآه! كنت يومها على سِيف البحر في بيروت، وكان البحر هائجاً غضبان يرمي بأمواج كأنها الكثبان، وقد فرّ منه الناس فليس في الشطوط كلها -على طولها وامتدادها من سان سيمون إلى الأوزاعي- إلاّ نفر قليل.. لم أكن أعرف السباحة، وكان معي شاب تونسي من علماء جامع الزيتونة، لا يمتاز في السباحة عني إلاّ بأنه أجهل فيها منّي!

ابتغينا مكاناً منعزلاً وراء صخرة مستديرة تطيف به إطافة الجدار فتجعل من مائه الذي لا يبلغه من ورائها الموج بركةً آمنة ساكنة الماء قريبة القرار لا تغط صبياً، فنزلنا فيها.. أخذت أسبح السباحة التي أعرفها، أرفع رجليّ وأحرك يديّ، فإذا تعبت خرجت أستمتع بالشمس والهواء. وكنت ممتلئاً صحة، أكاد أتوثب من النشاط توثباً، أحسّ كأن الأرض تدفعني عنها دفعاً. وكان الموت بعيداً عن فكري، والموت -أبداً- أبعد شيء في أفكارنا عنا، وإن كان أقرب شيء في حقيقته منا، نتناساه وهو عن أيماننا وشمائلنا، نشيّع الجنائز ونمشي معها ونحن في غفلة عنها نتكلم كلام الدنيا، ونرى مواكب الأموات تمر بنا كل يوم فلا نفكر ولا نعتبر، ولا نقدّر أننا سنموت كما ماتوا ومات من كان أصح منا صحة وكان أشد منا قوة وأكبر سلطاناً وأكثر أعواناً، فما دفعت عنه الموتَ -لمّا جاءه- صحتُه ولا قوته ولا حماه منه سلطانه ولا أعوانه، نعرف بعقولنا أن الموت كأس سيشرب منها كل حي، ولكننا ننسى هذه الحقيقة بشعورنا وعواطفنا وتحجبها عنا شواغل يومنا وتوافه دنيانا، يقول كل واحد منا بلسانه: إن الموت حق وإنه مقدر على كل حيّ، ويقول بفعله: لن أموت، لقد كُتب الموت على كل نفس إلاّ نفسي، فلا يزال في العمر فسحة لي دائماً ولن يأتي أجلي أبداً.

وعاودت الدخول في الماء وأطلت البقاء فيه، وما أحسست -وأنا أتزحزح شبراً فشبراً- أني جاوزت هذه البركة وبلغت موضعاً من البحر عميقاً، علمت بعدُ أن فيه تياراً يتحاماه السباحون القادرون، فكيف بمن لم يكن يتقن من السباحة إلاّ فن الرسوب؟ وحاولت الوقوف فإذا أنا لا أجد الأرض الصلبة من تحتي، وحاولت أن أرفع رأسي فأنظر فإذا أنا لا أجد الهواء ولا أبصر شيئاً، وأحسست الماء الملح قد تدفق على فمي وأنفي، فأنا لا أملك إلاّ أن أبلعه وأنشقه. وبدأت أحسّ آلاماً لا تُصوَّر ولا توصَف، ليست في الرأس وليست في عضو من الأعضاء وحده، ولكنها في كل ذرة من جسدي وروحي.. وشعرت كأنْ قد ألقيت عليّ صخرة ضخمة وأن أعصابي تجذب من تحتها وتقطع كما تجذب خيوط الحرير مما خالطها من الشوك! وصار كل همي من دنياي أن أجد نسمة واحدة من الهواء فلا أجدها، فقلت: هذا هو الموت، هذا هو الموت الذي أفر من الكلام فيه والحديث عنه، والذي أراه بعيداً عني لم يحِنْ حينُه ولم يَدْنُ موعدُه، لذلك كنت أؤجل التوبة من يوم إلى يوم، أقول: إذا بلغت سن الشباب تبت، فلما بلغتها قلت: أتوب في الأربعين، فلما جاوزتها قلت: أنتظر حتى أتم بناء الدار، فلما أتممتها قلت: أتوب وأتفرغ إلى الله إذا بلغت سن التقاعد كأني أخذت على مَلَك الموت عهداً ألاّ يطرق بابي حتى أبلغ سن التقاعد، فها هو ذا قد جاء على غير ميعاد!

وكان أول ما خطر على بالي أني كنت أتمنى ميتة سهلة سريعة تكون على الإيمان، وأن هذه الأمنية تلازمني من أزمان، فخشيت أن أكون قد سعيت إلى هذه الميتة فأكون -والعياذ بالله- منتحراً. ورحت أفكر فيما صنعته من لَدُن دخلت الماء، فإذا أنا لا أذكر من ذلك شيئاً، وإذا أنا أشعر أنه غدا بعيداً عني كأنه قد كان من مئة سنة لا من دقائق معدودات، وصَغُرَت الدنيا في عيني كأني أراها من طيّارة قد علت في طِباق الجو. ومن كان على سفر يسرع ليلحق القطار، هل يرى من الشوارع التي يجتازها شيئاً؟ وهل يغريه منها جمال ساحر أو فن طريف؟ إنه يحسّ بها غريبة عنه وأنها ليست له، ويغدو منظرها في عينه كصورة زائغة، فكيف ينظر إلى هذه الدنيا من أيقن بالموت؟

لقد امّحَت –والله- صورة الدنيا كلها من أمامي. وما لي وللدنيا ولم يبقَ لي فيها إلاّ لحظات معدودات، أنا أتجرع فيها ثمالة كأس الآلام؟ لم يبق لي منها ما يغريني بها، حتى الأهل والولد شُغلت بنفسي عنهم؛ فلا تصدّقوا ما تقرؤونه في القصص من أن المشرف على الغرق يفكر في أحبائه أو في أعماله أو في أدبه وعلمه ومقالاته وأشعاره، أو يهمه ما يُقال فيه من بعده.. ربما كان ذلك من غير المسلم، أما المسلم فلا يرى في تلك الساعة إلاّ ما هو قادم عليه.

وازدحمت عليّ الخواطر فيما أفعله، فحاولت التشهد والتوبة أولاً، فلم أستطع النطق بشيء مما كان في فمي من الماء. وازدادت عليّ الآلام ولكنها لم تقطع خواطري، وكان ذهني في نشاط عجيب ما أحسست مثله عمري كله، وكنت بين خوف من الموت ورغبة فيه: أرغب فيه أرجو أن تكون هذه الميتة على الإيمان، وأخاف لأنه ليس لديّ ما أقدم به على الله، وقد فاجأني الموت كما يفاجئ الامتحان التلميذ المهمل الذي لا يزال يؤجل المطالعة والحفظ ويقول: الامتحان بعيد.. وتمضي الأيام، حتى إذا رآه صار أمامه قطع أصابعه ندماً وأذهب نفسه حسرة، وما نفعه ذلك شيئاً.

هذا وهو امتحان يسير أسوأ ما فيه أن تذهب بالسقوط فيه سنة من عمره سدىً، فكيف بالامتحان الأعظم الذي ما بعده إلاّ النعيم الأبدي في الجنة، أو الشقاء الطويل في النار؟ الامتحان الذي ليس فيه “إكمال”، ولا تُعاد له دورة ولا يُجبر فيه “كسر” درجة، ولا تنفع فيه شفاعة شافع ولا وساطة ذي جاه أو مال؟ ورأيت موقف الحساب رأي العين، وقد شَغلت كلَّ امرئ نفسُه، والناس يُدعَون ليأخذوا نتائج الامتحان، فمَن أخذ كتابه بيمينه وحُمل إلى الجنة فهذا هو الفائز، ومن أخذ كتابه بشماله وسيق إلى النار فهذا هو الخاسر، وهذا هو الخسران المبين.

يتبع بإذن الله…

مقالات ذات صلة