في محراب العلامة نصر الدين سعيدوني
كنت أتوق للقاء العلّامة نصر الدين سعيدوني، فيسَّر القدر الأعلى ما كنت إليه أتوق، وعلى غير تقدير مني جاءت دعوة من معسكر، بمناسبة إحياء ذكرى مبايعة الأمير عبد القادر، وهي ذكرى لم تدرس حتى نحييها، وأنى لأهل بلد أن ينسوا أصحاب أياد بيضاء امتدت ليد رجل حمل روحه على كفه، وجعلها تسري في أرواح جاس خلال الديار عدوٌّ أراد محقها.
جاءت دعوة نادي البيان ومديرية الثقافة في ولاية أم العساكر لترتّب لقائي بتلك القامة العلميّة، والمفكر الألمعي والمثقف الحصيف الدكتور سعيدوني، وأهل الفكر والثقافة في مخالطة الناس واعتزالهم على ضروب، فلقد كان أديب الفقهاء وفقيه الأدباء الشيخ علي الطنطاوي يحذِّر الناس من نفسه، ويوصيهم بعدم الحرص على لقائه، لأنهم ربما خاب توقعهم بعد اللقاء (إن وقع)، فهم لا يلاقون ذلك المتحدِّث اللبق والكاتب المكين، بل يلتقون رجلاً يأكل الطعام، ويرضى ويغضب، وله سيرته في معاشه التي قد لا توافق ما قد رسموه له في أذهانهم!
وخلال يومي اللقاء وجدتني بحضرة رجل جميل المعشر، لين الحاشية، بشوش المحيَّا، حتى يخيّل إليك أنك بعض جلسائه الخلّص، أو بعض من خاصة أسرته، يحسن الإصغاء لكل متحدث، ويبشُّ لكل وافد حتى ليظن من يرى أنه بحضرة رجل علاقات عامة، لا بحضرة عالم يقف على انتاج يربو عن الثمانين عنوانا، ليس فيها ما يمكن أن تضعه في خانة (الاسهال) في التأليف، ولعل ذروة سنامها (المسألة الثقافية في الجزائر)، فالرجل يكتب بأناة المؤرخ وسلاسة الأديب وعمق المفكر، له عينان لا كعيني أحد من الناس، عين ترصف الكلمات والجمل، وعين تراقب المحتوى والمعنى، فلا تندّ كلمة عن موضعها من دون إرادته، ولا يسبق معنى حامل عن مقصد محموله، فإذا بنسيج الكلم قطعة قشيبة تغذي العقل وتبهج القلب، وذلك لعُمري مرتقى صعب لن يلين إلا لصاحب رسالة حنكته الدربة والتجربة.
ولقد يسَّر الله لي طريقا أسلكه إلى قلب، فإذا بالعالم الكبير يدعوني للقائه، وقد خشيتُ أن يكون ضنينا بوقته أو متبرِّما من لقاء الناس، وإنني لمسرور بدعوته حريص عليها أكثر من حرصه، إذ لا أحسب نفسي إلا طالب علم في محرابه ومحراب أمثاله من أهل الفكر والذكر، وتجاسرت على تحديد موعد للقائه، ودخلت محرابه وبقيت أتأمل في صفحة وجه بدت عليه أخاديد الزمن، فإذا بي استحضر لحاء كريم الأشجار التي لا يزيدها مرور الزمن إلا صلابة، فتتكاثف الدوائر ويشتد العود، ويكون أقربها إلى القلب الجديد الندي، فلا تشيخ الشجرة، وتمد أوراقها بالنضارة والخضرة الدائمة.
أنا بحضرة رجل سمع ورأى، فلقد جال في كون الله الفسيح من طوكيو إلى واشنطن، ومن برلين إلى باريس ومن أرض الأندلس إلى الكويت والأردن والدوحة، وزار مجالس العلماء والمفكرين الأحياء منهم والأموات، ولقد رأيت بريق عينيه وهو يحدثني عن جلوسه على كرسي هيغل أو في مجلس فرويد، وإنني أرخي سمعي واستحضر ذهني وهو يتحدث عن مؤلف له عن (الكتابة التاريخية من الجهد الفردي إلى المنظور الحضاري)، وشعرت أن أنفاسي تتسارع وسألته: بأي يد تكتب باليمنى أم باليسرى؟ فقال متعجبا: بل باليمنى طبعًا، فقلت: أتأذن لي في تقبيلها؟ فهذا الوعي الذي نقلته يمناك من عقل ذكي لا بد أن أقبِّلها عرفانا لها، عساها تنقل إلى تلافيف ذلك الدماغ ما سرى في دماغي ووجداني من حب واعتراف… (من الجهد الفردي إلى المنظور الحضاري)… ذاك المفصل الذي يعزب عن العقول وهي تتملى نهضة الآخرين، فتجد الأفواه فاغرة والعيون مشدوهة، والقلوب خاوية من تتبُّع ذلك الخط السحري (الجهد الفردي)، إن الأمم وهي تتطلع إلى نهضتها لا تنتظر المعجزات الخارقة، بل تعمر قلوب أفرادها فكرة القيام بالواجب، فإذا فاض خير الواجبات أصبح لديها (المنظور الحضاري)، والجميع يقف خلف رواد صناع الحضارة من منظِّرين ومثقفين وعمال وفلاحين وصنّاع… يرقبون حركة الأبطال ويكثرون سوادهم ويمنعونهم من الطفيليات والنباتات الضارة، فعزائم الأفراد الأكفاء هي التي تصنع الوفرة وتعمم الرفاه وتمنع تغول المتسلقين ودعاوى الفارغين، إذ العبرة بما ينفع الناس.
في حضرة الأستاذ سعيدوني وجدتني أطلُّ على آفاق بعيدة في الزمان والمكان، لقد جلست خلال ساعتين على كتف عملاق، يؤمن بقوة الحجة ونسبية الاجتهاد، غير أن ذلك لا يعني ليَّ عنق الحقيقة إن استندت إلى الدليل انسياقًا وراء ارادات الأفراد أو العصب، فالرأي إن استند إلى الدليل والحجة، لا يُدحض إلا بدليل أصوب وحجة أقوى، ولا عيب في استنساخ تجارب الآخرين وتكييفها، إذ أولى خطوات التعلم تبدأ بمحاكاة التجارب الناجحة في نواتها الصلبة لا في قشورها وبهرجها.
لقد مرت الساعتان عجلى، وإشفاقا مني على الرجل الذي يخطو سنوات العقد التاسع من عمره، نسأل الله أن يمد في عمره ويمتِّعه بالصحة، خطوت عتبة محرابه إلى ضوضاء الشارع، وكنت كالعابد الذي فرغ من صلاة طويلة، ما تزال ترانيم التراتيل تتردد في أقطار نفسه، وحواسه تحاول التقاط ما يدور حوله في دنيا الناس.
كنت طوال مسافة الطريق أفكر: هل تهتدي وسائل الإعلام إلى بث تجربة رجل رأى وسمع ووعى ما التقطته حواسه وخالط كل ذلك تلافيف دماغه؟ ألا تتسع قنوات التلفزة -وقد تعددت- أن تخص الرجل بنافذة يطّلع فيها الرجل على الناس، يروي تجربته مع التاريخ بوصفه خط زمن ينصهر فيه الماضي بالحاضر ويستشرف المستقبل؟
تلك أمنيّة من وقف في محراب الرجل الذي سمع ورأى، وسواء اتفق المتلقي معه على طول الخط أو في بعض الخط، فإننا بإزاء مسيرة ثرة وسيرة عميقة، تعلن في النهاية عن حياة بطل من أبطال هذا الوطن، والأبطال ليسوا معصومين لكنهم أبطال يجب أن يعم ذكرهم وتسري ذكراهم.
خلال يومي اللقاء وجدتني بحضرة رجل جميل المعشر، لين الحاشية، بشوش المحيَّا، حتى يخيّل إليك أنك بعض جلسائه الخلّص، أو بعض من خاصة أسرته، يحسن الإصغاء لكل متحدث، ويبشُّ لكل وافد حتى ليظن من يرى أنه بحضرة رجل علاقات عامة، لا بحضرة عالم يقف على انتاج يربو عن الثمانين عنوانا، ليس فيها ما يمكن أن تضعه في خانة (الاسهال) في التأليف، ولعل ذروة سنامها (المسألة الثقافية في الجزائر)، فالرجل يكتب بأناة المؤرخ وسلاسة الأديب وعمق المفكر.