الرأي

في معسكر

توجهنا يوم الخميس الماضي إلى مدينة معسكر، التي كانت فترة من الزمان عاصمة بايلك الغرب الجزائري أثناء احتلال وهران من قبل الصليبيين الإسبان، وكانت عاصمة الجزائر في أثناء جهاد فتاها الأمير عبد القادر. وكانت المناسبة هي عقد المجلس الإداري لجمعية العلماء، وتدشين مدرسة قرآنية تحمل اسم “الطالب”، وقد تجلى فيها ذوق إخواننا المعسكريين، فقد كانت رائعة خارجيا وداخليا.. خاصة أنها تقع في موقع حسن..

قبل ذلك نظم بعض أعضاء المجلس ندوة في المسجد الكبير “مصطفى بن التهامي”، وكانت تلك الندوة تحت عنوان “دور المسجد في حماية الشباب من التيارات المنحرفة”، وقد شارك في الندوة كل من الدكتورين عبد الرزاق قسوم، رئيس جمعية العلماء، وعمار طالبي، والأستاذ محمد مكركب نائبَا رئيس الجمعية، ومحمد الهادي الحسني، وقد حضر تلك الندوةَ جمعٌ طيب من المواطنين، يتقدمهم أعضاء شعبة جمعية العلماء في معسكر، وعلى رأسهم الأستاذ الفاضل زين العابدين ابن حنفية، الذي يشهد له الناس عامتُهم وخاصتهم بالخُلق الكريم، والكلمة الطيبة، ونشر العلم.. وذلك ديدنه منذ عرفناه عندما كان مديرا للشؤون الدينية في معسكر وسطيف، وفي وزارة الشؤون الدينية.. وهو ممن لم يصبه “داء الوظيفة”، أي الجبن والتملق، بل يقول ما يعتقده الحق ولو أغضب الخلق.. وقد أصابه من جراء ذلك ما يصيب كل قوّال للحق، فصبر، وسيجزي الله الصابرين بغير حساب، كما قال رب الأرباب..

لقد استرجعت ذكرياتي عن مدينة معسكر التي زرتها أول مرة في سنة 1971، في رحلة طلابية تحت إشراف الأستاذ مولاي بلحميسي، الذي كان يدرِّسنا في جامعة الجزائر الفترةَ العثمانية من تاريخ الجزائر.. والدكتور هشام الصفدي، وهو أستاذٌ سوري كان يدرِّسنا التاريخَ الروماني..

مما أذكره عن تلك الرحلة، وما يزال راسخا في ذهني إلى اليوم أن الدكتور الصفدي الذي يتميز بالأناقة كاد يخوض “معركة” عندما زرنا مبنى قيادة الأمير عبد القادر، ووجدناه مملوءا بـ”القرط”، فعرفنا قيمة التاريخ وأهله وصانعيه عند بعض مسؤولينا.

ومما أذكره عن تلك الرحلة، وما يزال راسخا في ذهني إلى اليوم أن الدكتور الصفدي الذي يتميز بالأناقة كاد يخوض “معركة” عندما زرنا مبنى قيادة الأمير عبد القادر، ووجدناه مملوءا بـ”القرط”، فعرفنا قيمة التاريخ وأهله وصانعيه عند بعض مسؤولينا.

ثم رجعتُ إلى معسكر في منتصف السبعينيات من القرن الماضي تلبية لدعوةٍ كريمة من الأخ العزيز الأستاذ العربي غالم، الذي زاملني في الدراسة في الكويت الشقيقة، وكان مديرا لثانوية جمال الدين الأفغاني، وبفضل هذا الأخ، الذي كان أستاذا في الجغرافيا، عرفت الغرب الجزائري، فهو وإن كان من بلدة “صبرة” بولاية تلمسان، ولكنه كان عارفا لمناطق الغرب الجزائري، تاريخا، وجغرافيا، وقبائل، وعادات.. ثم وُلّي في التسعينيات مديريتي الشؤون الدينية في كل من ولايتي تلمسان ومعسكر.. فاجتهد في العمل، فأرضى أناسا بالحق وأسخط آخرين، ومن ذا الذي تُحمد فعالُه كلها؟ وقد كان الشيخ طاهر الجزائري –رحمه الله- يقول: “لو بلغني أن أهل هذا البلد كلهم راضون عني، لعددتُ نفسي ساقطا، لأن من يرضى عنه كل الناس لا يكون إلا خداعا منافقا.. والمصلح لا يخلو من أعداء وأصحاب”. (د.عدنان الخطيب: الشيخ طاهر الجزائري… ص31).

ثم زرتُ معسكر بعد ذلك عدة مرات، إحداها في صيف 1987 عندما عُقد ملتقى الفكر الإسلامي الذي أقبره الذين إذا ذُكر اللهُ اشمأزَّت قلوبهم.. وضاقت صدورهم كأنما يصّعّدُون في المساء.. وكان ذلك الملتقى تحت عنوان “الحياة الروحية في الإسلام”.

ومما قاله في ذلك الملتقى أحد الدكاترة “الدّراوشة” أن الشيخ عبد القادر الجيلالي -رحمه الله- “تكلَّم في بطن أمه”.. فانبرى له الشيخ المجاهد أحمد حماني قائلا ما معناه: “يَسّمّى سيدك عبد القادر الجيلاني أفضل من سيدنا عيسى، الذي كان آية في خلقه، ومن أولي العزم من الرسل، ومع ذلك لم يتكلم إلا بعدما وُلد رادّا على اليهود الذين اتهموا مريم الطاهرة في شرفها قائلا: “إني عبد الله آتاني الكتاب..” إلى آخر الآيات من سورة مريم”؟ فبُهت “الدرويش” رغم دكتورته..”وبلع لسانه” كما يقال.

وأردت أن أزور مكانين في معسكر ولكنني لم أتمكن، لضيق الوقت، فأما أولهما فهو بيت العالم الكبير أبي راس الناصر، ولست أدري إن كان ما يزال موجودا أم اندثر؟ وأبو راس الناصر هو أحد كبار علماء الجزائر في أواخر القرن الثامن عشر، ولغزارة علمه كان بيته يُسمَّى “بيت المذاهب الأربعة”، وقد ترك مؤلفاتٍ كثيرة تحتاج إلى تحقيق وتعليق، ونشر.. ولما ينشر منها –فيما أعلم- إلا أربعة، أحدها “الحلل السندسية” حول فتح وهران، وتحريرها من الإسبان في سنة 1792، وقد نشرته باحثة مغربية، ونالت به شهادة الماجستير، وثانيهما “فتح الإله..” وهو أشبه بمذكرات، وقد حققه الدكتور محمد ابن عبد الكريم الجزائري رحمه الله، وثالثها حول التاريخ، ورابعها حول الأمثال”.(*)

وأما ثانيهما فهو مدرسة الأمير عبد القادر التي أسستها جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وقد افتتحت في 17 أكتوبر 1953، وحضره ما يقرب من خمسة آلاف.. وقد ترأس حفلَ الافتتاح الأستاذ أحمد توفيق المدني، الأمين العام لجمعية العلماء.. ومما قاله عند تدشين المدرسة: “لا يستحقُّ أحدُكم أن يُنسب للأمير إلا إذا كان مجاهدا بقلبه ويده وماله في سبيل الدين والوطن”، وقد بشَّر الأستاذ المدني الحاضرين بقوله: “وإن يوم النصر لآت لا ريب فيه”. (البصائر. ع 245 في 30-10-1953 ص 6). ومع هذا يقول الخراصون إن جمعية العلماء لم تكن “وطنية”، ولم تدعُ إلى تحرير الجزائر.. فالمشكلة ليست في جمعية العلماء، ولكن في أصحاب “الأفكار الصخرية”.(**).

وملاحظة أشير إليها وهي أن جمعية العلماء لم تكن تسمِّي مدارسها بأسماء أشخاص، وإنما كانت تسمِّيها بأسماء معاني.. (مدرسة التربية والتعليم، مدرسة الإخاء، مدرسة الفلاح، مدرسة الحياة) ولكنها سمت أربعة مدارس ومعهدا بأسماء أشخاص، وهذه المدارس هي: مدرسة عبد المؤمن بن علي في ندرومة، ومدرسة الأمير عبد القادر في معسكر، (1) ومدرسة عائشة أم المؤمنين في تلمسان، ومدرسة خديجة أم المؤمنين في سكيكدة، ومعهد الإمام عبد الحميد ابن باديس بقسنطينة.

ولا يمكن أن نذكر معسكر ولا نشير إلى عالمها الكبير مصطفى الرماصي (ت 1724)، وهو ممن ذاع صيتُهم، وانتشر ذكرُهم، والشيخ محمد بن عبد الله الجلالي (بوجلال)، الذي اعترض على الشيخ أحمد التيجاني فيما ذهب إليه.. ولا ننسى “المشارنة” و”الأغريسيين”..

وقد أديتُ صلاة الجمعة في أحد مساجد معسكر رفقة الأخ غازي بوشامة، وهو نِعم الصاحب في السفر، وقد شُرِّفت بإلقاء درس الجمعة، وكان حول النعمة الجليلة التي خص الله –عز وجل- بها الجزائريين، وهي أن 99% منهم أو أكثر مسلمون، وحتى الذين يستحوذ عليهم قرناؤُهم من الإنس والجن يعودون إلى الإسلام عندما تنضج عقولهم وترشد أفكارُهم. وهذه النعمة هي الضامنة لوحدة الجزائريين، وقد سمى الفرنسيون الإسلام “العنصر الموحِّد”. ولو كانت حكوماتنا “الرشيدة” على شيء لاستثمرت في هذا الباب بدل مهرجانات الراي و”دعوى السوء”.

ومع ذلك، فبعد نهاية الصلاة دخلت نسوةٌ إلى بيت الصلاة، وتقدَّمت مني إحداهن لتخبرني عن نصراني “لاعبها مرابط وبوليس”، يُفسِد في عقول بعض من يتصل بهم، أو يتصلون به، وقد نبّهت إلى هذا ( ) منذ بضع سنين في أحد المقالات.

ومما لفت نظري فيما رأيتُ من شوارع وأحياء معسكر نظافتُها إذا ما قورنت بكثير من مدننا الأخرى التي تتكدّس فيها الأوساخ كأن ساكنيها ليسوا مسلمين، بل ليسوا بشرا أسوياء، لأن البشر الأسوياء يحرصون على نظافة أنفسهم، وعلى نظافة محيطهم.. وقد كان الرسول –عليه الصلاة والسلام- يأمر المسلمين بالنظافة، قائلا ما معناه: نظفوا أفنيتكم فإن اليهود لا يتنظفون.. فيبدو أن الأمر قد انعكس، حيث صار اليهود يتنظفون، وصار “المسلمون يتوسخون”.

تحية حارة إلى معسكر بشرا، وشجرا، وحجرا، ولنتواصَ جميعا بالحفاظ على هذا “الكنز” المسمَّى “الجزائر”، ولا يحافَظ عليه إلا بالإسلام، فلا نلق السَّمع إلى الغربان الناعقة، ولا نسمع إلا لمن دعانا إلى “الإسلام الصحيح” كما يقول الشيخ أبو يعلى الزواوي.

 

(*) ذكر بعض الباحثين أن عدد تآليفه بلغ المائة والأربعين ما بين كتاب ورسالة.

(**) كلمة “الفكر الصخري” قرأتها في كتاب “أزمتنا الحضارية” للدكتور طه كوزي، منسوبة للدكتور محمد بابا عمي.

1) لمن أراد المزيد من التفاصيل فليرجع إلى كتاب الأستاذ لحسن جاكر المسمى “نشاط جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في مدينة معسكر 1931-1956”.

مقالات ذات صلة