في ورجلّان (2)
من فضل الله –عزّ وجلّ- علينا أن عاد الجزائريون إلى ما عُرفوا به من العناية بالقرآن الكريم –حفظا وأداءً- فالجزائر الآن تعجُّ بالمدارس القرآنية، ولم تشذّ ورقلة عن هذا الاهتمام بالقرآن الكريم، وقد برمج لنا الإخوة زيارة مدرستين قرآنيتين هما “مدرسة الطالب النذير” للتعليم القرآني، وكنتُ قد زرتُها من قبل فلاحظتُ تحسُّنا، وقد ألقى الدكتور مالك بوعمرة سونة محاضرة قيِّمة عن شخصية الرسول- صلى الله عليه وسلّم- في القرآن الكريم، فكان لها صدى طيّبٌ، وقد علّقتُ عليها بمقولةٍ لأحد العلماء وهي: “إن محمدًا -عليه الصلاة والسلام- في الأنام كالقرآن في الكلام”، فكلاهما مُعجِز.
وأما المدرسةُ الثانية فهي “مدرسة الإحسان”، وتتميّز هذه المدرسة وتمتاز بأنّ مديرتها تحمل شهادة الدكتوراه في علم الفيزياء، وهي بذلك حجّة بالغة، وتُلقم حجرًا للجامدين من أصحاب شعار:
علّموهنّ الغزْلَ والنسيج والرُّدْنَ وخلّوا كتابةً وقراءه
فصلاةُ الفتاة بالحمد والإخلاص تجزي عن يونس وبراءه
فلهذه الأستاذة الفاضلة كلّ التقدير لما تتحمّله من أعباء ينوء بها كثيرٌ من “العلماء”.
وكان ممّن التقيناهم الأستاذ محمد إسلام، وهو من الدعاة إلى الإسلام في استوكهولم، وقد بشّرنا بأنّ الإسلام ينتشر بصورة ملحوظة بين الأوربيين الذين لم تُقنع النصرانيةُ بضلالاتها عقولَهم، ولم تروِ عطشَهم، ولم تُطفئ ظمأهم الروحي، فـ”فاقدُ الشيء لا يعطيه”.
وكان لنا لقاءٌ مع إذاعة ورقلة المتميّزة ببرامجها المفيدة، وبلغةِ مذيعيها السليمة، وقد استُقبلنا استقبالا حسنا غير غريب عنهم إدارة ومذيعين، وقد عقدنا فيها ندوةً نشّطها الأستاذ “الدينامو” إبراهيم ابن ساسي.
وما كان لنا أن نكون في ورقلة ولا نزور بركتَها الشيخ الفاضل محمد بن بلخير دادْنه الذي بلغ القرن وبضع سنين، وقد وجدناه في صحّة عقلية وإن وهنَ عظمُه واشتعل رأسُه شيبا، ونحسبه ممّن يشملهم حديثُ المصطفى- عليه الصلاة والسلام-: “خيرُكم من طال عمرُه وحسُن عملُه”.
وأنهينا زيارتَنا لورقلة بزيارة مزرعة الحاج محمد ابن السايح، التي تقعُ على بُعد أربعين كيلومترًا من ورقلة… وقد رأينا فيها ما سرّ العيون، وأفرح القلوب، وشرح الصدور، وقوّى الأملَ في مستقبل الجزائر إن وجدتْ “عقلا عامرا وجيبا عامرا” كما يقول فضيلة الشيخ سعيد شريفي (عدّون) من القرارة، وهو ما توفَّر في السيّد محمد ابن السايح، الذي حوّل –كما قلتُ سابقا. الصحراء إلى “متيجة الجنوب”.
وما كان لي أن أكون في ورقلة ولا أذكُر وأذكّر بعالمها الجليل أبي يعقوب يوسف الورجلّاني (1106- 1174م)، صاحب كتاب “الدليل لأهل العقول”، وصدق من وصفه بأنّه “كان ناسخا، وللأقلام باريا، وللدراسة فاعلا، وللحبر طابخا، وللدواوين مُقابِلا، وللكتُب مسفِّرا”. ويُروى أنّ له تفسيرًا للقرآن الكريم في سبعين جزءًا، حتى إنّه شُبِّه بالجاحظ في الأندلس… ويُذكر أنه بلغ إلى قريبٍ من خطّ الاستواء. (انظر: عبد الرحمن الجيلالي: تاريخ الجزائر العامّ. ج 2).
أكرّر شكري وشكر رفيقي لأهل ورقلة، وفي مقدّمتهم الأستاذ عبد الرحمن حكّوم، الذي جعل اللهُ له “عقولا لا عقلا واحدا”. ومن أجمل ما عدتُ به من ورقلة ما أخبرتني به الأستاذة حرمُ الدكتور محمد الصالح بوعافية من رؤيا رأتني فيها في موقع أغبَط عليه. والتحيّة الحارّة للقائمين على مطار ورقلة، مديرا وأمنا وعمالا بسطاء.