فُلان الذي قتل الفكرة
يبدو أن العقل السياسي الجزائري- في حدود ما يملك من قدرات أحيانا متواضعة جدا- لم يعد باستطاعته أن يتمحور حول الأفكار، إنما حول الأشخاص، بل حول الأسماء، باعتباره أحيانا لا يعرف حتى الأشخاص.
عندما لا يجد منتمٍ إلى جمعية ذات طابع سياسي- وهي بالفعل جمعيات وليست أحزابا- تمييز نفسه عن آخر إلا بتحديد تبعيته لفلان، بعيدا عن أي إدراك لفكرة أو مشروع فكرة، وعندما يُصبح السبب الجوهري للانقسامات والانشقاقات والانقلابات داخل الأحزاب هو انتقال الغَلبة من جماعة فلان إلى جماعة فلان، وأن فلانا هو الذي يحرك فلانا لصالح فلان الذي يقف خلفه فلان الأكبر… ينطمس أي وجود لاختلاف فكري أو استراتيجي بين الفرقاء، ويُصبح الحديث عن اختلاف في الرؤية المستقبلية المتوسطة أو البعيدة المدى وضرورة إعادة ترتيب البيت على أساسها ضربا من الخيال أو هو حديث لكيانات غير أرضية قد تعيش في أي مكان إلا في الجزائر.
ويتأكد لدينا تبعا لذلك أن فكرة إنشاء أحزاب في بلادنا تغلبت على أحزاب الفكرة، بل وفكرة إنشاء الجمعيات تغلبت على جمعيات الفكرة مهما كانت طبيعتها. ولم تعد هناك إمكانية للتمييز بين هذا أو ذاك على أساس أسلوب الطرح أو طريقة التشخيص أو بدائل الحل إنما على أساس التسمية والعنوان…
تذكرت هذا الموضوع وأنا أتابع- مثل غيري- الانقسامات أو الانقلابات أو الانشقاقات التي حدثت أو ستحدث لدى جمعياتنا ذات الطابع السياسي، وأجري مقارنة بسيطة بينها وبين تلك التي حدثت لدى أحزاب الحركة الوطنية قُبيل اندلاع الثورة.. في تلك الفترة كان الفرقاء يختلفون حول أسلوب تحرير الجزائر، أو يختلفون حول الانتماء الاجتماعي لكل منهم، أو حول هذه الأولويات السياسية أو تلك، وكانت الأسماء ترتبط بهذه الفكرة أو تلك، وتأخذ رمزيتها من الفكرة والتشخيص والحل، ثم تتحول إلى مُعبِّر عن خط سياسي معين (ثوري، اندماجي، يساري، بورجوازي، إصلاحي…) يطرح نفسه بديلا للجماهير لتحكم عليه… أما عندنا اليوم فتُقتل الفكرة لكي تعيش المصلحة، ويُقتل المناضل ليعيش هذا الفلان، الذي قبل أن يُطرح عليه السؤال: إلى أية مدرسة تنتمي أو عن أية أفكار أو أطروحات تدافع، يُبادر بالجواب: لا تسأل، أنا مع فلان الذي يقف وراءه فلان ويخدم لمصلحة فلان الذي يعمل لفلان، وكان مع فلان… ومن يكون فلان هذا، تسأل: فلان هذا ليست لديه فكرة أو مشروع أو رؤية مستقبلية للجزائر، بل هو الذي جاء بمشروع قتل الفكرة، ونجح في قتل الفكرة ليبقى اسمه فوق، فوق كل الأفكار..