الرأي

قانون العرض والجشع

عمار يزلي
  • 682
  • 4

كما في كل شهر رمضان، وكما في كل المناسبات الدينية والوطنية والدولية، التي تحوّلت مع نموذج النظام العالمي للاستهلاك، إلى مناسبات للاستهلاك الأقصى، فإن رمضان هذه السنة لم يكن استثناءً ولا خارج هذه القاعدة.

في مجتمع، عُرف منذ البدء بأنه مجتمعٌ مبنيٌّ على الاستيراد من دون الاكتفاء الذاتي من الإنتاج المحلي، السوق فيه غالبا ما تكون في حالة اضطراب وتذبذب، مهما استوردنا، فسلسلة التسويق من المنتِج إلى المستهلك، طويلة وتخضع لعدة عوامل وميكانيزمات تجعل من تمويل السوق عند زيادة الطلب غير مضبوطة. ومع دخول سوق الاستيراد القطاع الخاصة بدل الدولة، زاد الفساد وزاد التذبذب وافتعال الندرة للزيادة في الأسعار. ما يتحكم في هذه الزيادات الكبيرة في الأسعار والتهابها عند اقتراب كل المواسم الاستهلاكية، ليس قانون واحد وهو قانون العرض والطلب، كما هو الشأن في المجتمعات الرأسمالية ذات الإنتاجية العالية وذات الآليات العقلانية في التزوُّد وتموين السوق طول العام وفي المواسم، والتي هي الأخرى تعتمد على الاستيراد، لكن في وجود إنتاج يفوق حاجيات السوق المحلية أحيانا، مما يوفر التبادل التجاري دون خوف من الندرة. السوق يضبط نفسه بنفسه، خاصة وأنّ المواسم معروفة مسبقا ومعروفٌ ما يُستهلك في هذه المناسبة أو تلك، مما يجعل التموين لا ينقطع، بل يزداد وتنخفض الأسعار بسبب المنافسة والحملات الترويجية، خلافا لما يحدث عندنا، إذ يروَّج للندرة عبر التخزين والدعاية حتى قبل حصولها لخلق جو ضبابي يسمح للمضاربين بالتربُّح غير المشروع.

ما يتحكم في اقتصادنا الاستهلاكي أكثر من مجرَّد قانون عرض وطلب، فهناك قوانين “العرض والجشع” و”الطلب والشراهة”، التي تحكم سيكولوجية الاستهلاك عندنا. لقد تعوَّدنا بطريقةٍ آلية أن نقبل على الاستهلاك في رمضان و”نتموّل” ونحضّر له قبل حلوله: أولا، لأن ذهنية الندرة غُرست في أذهاننا بسبب تجارب سابقة خاضعة لاقتصاد الاستيراد بدل الاكتفاء الذاتي والمنافسة الإنتاجية من كل منتج أو معظمه. ثانيا، “وهم الجوع” وتعويضه بـ”وحم الأكل”، واعتبار أن رمضان هو شهر نُحرم فيه من الأكل، وبالتالي يُدَّخر له حتى قبل حلوله، فيحدث الإقبالُ الجماهيري على اقتناء كل ما له صلة برمضان، وهذا خلال الأسبوع الذي يسبق رمضان وخلال الأسبوع الأول منه، ثم يبدأ التسوُّق في الانحسار لاعتبارات محددة منها: ميزانية المدفوعات العائلية تشرع في التقلص جراء التسوُّق المفرط وبكميات قد تغطي الشهر كله، كما أن الكثير سيدخلون في تعب النهار جرّاء سهر الليل، وبالتالي التعب من الشراء الواسع فيقتصرون على مقتنيات اليوم. هكذا نلاحظ أن الأسعار تبدأ في الانخفاض مع نهاية الأسبوع الأول من رمضان، لتشرع مواد الحلويات في الارتفاع والندرة من جديد وأيضا ألبسة الأطفال واللعب مع نهاية رمضان تحضيرا للعيد… وهكذا، ينتج عن هذا الاستهلاك غير العقلاني في مجتمع تعوَّد على سلوك الشراهة تخوفا من الندرة والتموين وعدم اليقين والشك في حصوله على ما يريد في الوقت الذي يريد وبالكمية التي يريدها.

عدة قوانين متداخلة تجعل الظاهرة تتكرر كل سنة، مما يستدعي حلولا ناجعة تتمثل أصلا في ثلاثة محاور: الاكتفاء الذاتي بتشجيع الإنتاج المحلي، وعدم الخضوع لسيف الاستيراد مستقبلا، وتقنين وضبط السوق قانونيا وإجرائيا رقمنةً وعصرنةً وإدخال مرونة أكبر على شبكة التوزيع لاسيما تجَّار التجزئة مع قمع كل التجاوزات. وأخيرا، مسار ثقافي تلقائي لتعويد المواطن وطمأنته لدفعه إلى استقرار نفسي واجتماعي، استقرار لم يعرفه يوما حتى في استهلاكه.

مقالات ذات صلة