قانون حظر النقاب شُرّع للحفاظ على المسلمين في فرنسا!
تحدث جان بيير شوفانمان، الوزير الفرنسي الأسبق، في محاضرته التي ألقاها بالمركز الثقافي الفرنسي أول أمس، عن “الجمهورية والإسلام واللائكية”، والجوانب التي تُميز كل واحد من هذه المفاهيم الثلاثة، مستخلصا أنه لا تعارض بين هذه المفاهيم بحيث يمكن لها أن تتحد في شكل دولة يسودها الاحترام والقيم الإنسانية والمصلحة العامة.
وذكر الوزير الفرنسي الأسبق الذي شغل عدة حقائب وزارية مثل التربية والدفاع والداخلية في معرض حديثه عن كفاح الجزائر ضد الاستعمار أن “الإسلام ساهم في الحفاظ على هوية الشعب الجزائري إبان الاستعمار الفرنسي”، معتبرا أنه لا تعارض بين الإسلام واللائكية ـ حسبه ـ مستشهدا في السياق ذاته بمقولة المستشرق الفرنسي الشهير جاك بيرك “إن العصرنة لا تعارض الأصالة”، وقال المحاضر وسط جمهور مكثّف تميّز بحضور نخبة من السياسيين والحقوقيين إن الجمهورية ليست “نظاما سياسيا يتميز بالانتخابات فقط، وإنما هي شرط انطلاق يؤمن بكرامة الإنسان وفق مصالح مشتركة”، كما عرج أثناء حديثه عن الإسلام بالقول إن الإسلام دين يرفض إكراه الناس على اعتناقه، ولهذا يتقاطع مع القيم الجمهورية واللائكية، معتبرا أن الإسلام لا كهنوت فيه، وهو ما يوفر على المسلمين تلك المعارك الطاحنة التي قامت في أوروبا ضد سلطة الكنيسة وتسلطها، مشيرا إلى أن المؤسسة الأعظم في الجمهورية هي المدرسة، لأن المواطن يصبح كذلك “بالعلم والمعرفة والتعلم والقدرة على التمييز بين الخير والشر”، ولهذا تعتبر “التربية الحضارية” ضرورية أعاد لها المُحاضر الاعتبار لمّا تولى وزارة التربية وقررها في المدارس مرة أخرى بعدما تم إلغاؤها.
وتحاشى شوفانمان الحديث عن الجزائر، معتبرا أن على “كل شعب أن يسلك طريقه بنفسه دون أن يملي عليه غيره ما عليه فعله”، قائلا إن “الجزائر تملك مؤهلات كبيرة للنهوض مثل الثروات الطبيعية والقوة الشبابية”، ثم وجه حديثه للحضور “أترك لكم مهمة اختيار طريقكم للعثور على التوازن الصحيح”، وقد أشار إلى أن “العراق والجزائر هما الدولتان الأكثر معاناة في السنوات الماضية مع الفارق بين التجربتي”. وفي الشأن التاريخي، اعتبر أن “النظام الاستعماري الفرنسي مقيت ولا يستطيع أحد الدفاع عنه”، لكنه يقول معقبا إن الإدانة موجهة للنظام لا للأشخاص، لأن إدانة الأشخاص تستدعي محاكمتهم ومعاقبتهم، مذكّرا أن العلاقة بين الجزائر وفرنسا تتميز بكون المستقبل فيها أطول من الماضي، كما قال إنه “يمكن لفرنسا والجزائر معا أن يقوما بأشياء كثيرة”، مشيرا إلى أن التبادل الاقتصادي بين البلدين “حيوي” والتعامل السياسي “ضروري”.
وفي الشأن الفرنسي، لم يُخف مؤسس “الحركة الجمهورية والشعبية” انتقاده للوضع المزري الذي آلت إليه فرنسا، حيث قال إنه يشعر أحيانا أن “الجمهورية ليست في بيتها”، لكنه أوضح بالمقابل أن مشكلة الإسلام في فرنسا هي كونه يفتقر إلى التنظيم، وقد صادفت المحاضر مشاكل تتعلق بتكوين الأئمة والتمثيل الإسلامي وتنظيم الأمور المتعلقة بأماكن العبادة لما كان وزيرا للداخلية، وقد تمكن شوفانمان من تسوية مشكلتي التمثيل وأماكن العبادة، حيث تبلغ عدد المساجد والمصليات في فرنسا 1800 بين مسجد ومصلى، في حين أن مشكل التكوين بقي عالقا “وقد حاولتُ إنشاء مدرسة عليا لدراسة العلوم الإسلامية، ووضع مناهجها المفكر الراحل محمد أركون، لكن السلطات رفضت المشروع معتبرة أنها لا تريد تكوين أئمة”. وفيما يخص قانون حظر النقاب، قال إن القانون لا ينص على “البرقع” أو “النقاب” وإنما يحظر تغطية الوجه بدون تحديد، لكنه اعتبر أن هذا القانون “يحفظ المسلمين”، مؤكدا ضرورة “عدم الخلط بين الإسلام والإسلاموية” وأن “لكل ديانة متطرفيها: سواء اليهودية أو المسيحية أو الإسلام”.
وقد شهدت قاعة المركز الثقافي الفرنسي حضورا مكثفا، سيما نخبة من السياسيين والحقوقيين والمفكرين مثل سعيد سعدي وعلي يحيى عبد النور وبوعمران الشيخ وفاروق قسنطيني وسعيدة بن حبيلس وغيرهم.