قبل أن يصدر قانونٌ يجرِّم ثورة أول نوفمبر!
ينبغي ألا نلوم كريستيان ايستروزي، صاحب ما يُعرف بـ”التفاح الكاسد”، على تمجيده للاستعمار والادّعاء بأنه جلب “الحضارة” و”التقدّم” للجزائر وحوّلها اليوم إلى “بلدٍ كبير”، ولا النوابَ الفرنسيين الـ25 الذين قدّموا مقترحا قانونيا يجرّمون فيه ما سموه “مجازر جبهة التحرير” بحق خونة الثورة، ولا الدولة الفرنسية على رفضها الاعتراف الرسمي بجرائمها الاستعمارية والاعتذار عنها للجزائر… فالفرنسيون يدافعون عن مصالح بلادهم، وهذا شأنُهم.
من ينبغي أن نلومه هو نظامنا الذي رفض منذ سنوات مقترحا قانونيا قدّمه نواب يجرّم الاستعمار الفرنسي للجزائر ردا على قانون تمجيد الاستعمار الصادر في سنة 2005، ولم يربط تطوّر العلاقات بين البلدين بالاعتراف والاعتذار والتعويض، وما فتئ يقدّم لفرنسا تنازلاتٍ تلو الأخرى في مجالات عديدة، وهو ما شجّع استروزي ولوبان وساركوزي وغيرهم على أن يمُنّوا علينا بـ”الحضارة” التي جلبها الاستعمارُ لنا!
وأدُ مشروع قانون تجريم الاستعمار يدين النظام، والأحزابَ الحاكمة التي تتغنى بالانتماء الوطني، وكذا ما يُسمّى “الأسرة الثورية” وفي مقدمتها المنظمتان السّلاليتان “أبناء الشهداء” و”أبناء المجاهدين”، اللتان “تناضلان” منذ سنواتٍ عديدة باستماتةٍ كبيرة لرفع التجميد عن قانون المجاهد والشهيد لما يتضمّنه من مكاسب وريوع، ولكنهما لم تناضلا بالاستماتة نفسها لرفع الحظر عن مقترح قانون تجريم الاستعمار، كما يدين كل الطبقة السياسية ومختلف فعاليات المجتمع التي ركنت إلى السلبية واستسلمت للأمر الواقع…
كُنَّا نودُّ لو تجاوزنا هذه المسألة منذ سنوات ومررنا من قانون تجريم الاستعمار إلى مسائل أخرى أكثر أهمِّية، ومنها أن يكفَّ مسؤولونا عن التهافت الأعمى على فرنسا، وعن منح الأولوية لشركاتها في الجزائر، ولاستيراد سلعها، والهيمنة للُغتِها في إدارتنا ومدرستنا، وأن نضع هذه اللغة على قدم المساواة مع الإنجليزية ـ وإن لم تكن مساوية لها في الواقع- ونترك الحرية للجزائريين ليختاروا اللغة التي يريدون دراستها، لنرى النتيجة.
المغرب الذي احتلته فرنسا مثلنا يتبوّأ المرتبة الأولى عربيا في دراسة الإنجليزية، لأن التفكير التربوي العلمي المُحايد غلب على التفكير الإيديولوجي الإقصائي عند نخبته الحاكمة، أما الجزائر فتحتل إحدى المراتب المتأخرة لأن الأقلية الفرنكفونية التي تحكمنا منذ 55 سنة كاملة تأبى إلا منح الاحتكار للُّغة الفرنسية في المدرسة وإبعاد الانجليزية عن منافستها، وما تزال هذه الأقلية مُصرّة على تعزيز مكانة الفرنسية بالجزائر حتى ولو تلقت البلاد آلاف الصفعات من فرنسا…
ولذلك كله، أصبح المسؤولون الفرنسيون لا يتحرّجون من تمجيد استعمارهم لبلدنا وتبييض جرائمه المرتكَبة طيلة 132 سنة، وأضحت فرنسا تُصدِر القانون تلو الآخر ضد ثورتنا؛ فبالأمس أصدرت قانون تمجيد الاستعمار، وغدا قد يتحوَّل مقترَح النواب الـ25 بتجريم جبهةِ التحرير إلى قانونٍ نافذ، وما دامت جبهةُ التحرير نفسها صامتة عما يجري من إهانات بحقِّ ثورتنا وذاكرتنا وأصبح كلّ همّها ينحصر في الفوز بالأغلبية في جميع الانتخابات، وما دام مسؤولٌ بالرئاسة بحجم أحمد أويحيى لا يرى اعترافَ الاستعمار بجرائمه أولويةً، والتلفزيونُ الجزائري يستضيف حفيدة خائنٍ لتلميع صورة جدّها… فلا نستبعد أن يُحفّز كل ذلك فرنسا مستقبلا على إصدار قانون آخر يُجرِّم الثورة نفسها ويطالب الجزائر بالاعتذار عن إشعالها ودفع تعويضاتٍ ضخمة عنها.