الرأي

قتال على السلطة لمنع بناء الدولة

حبيب راشدين
  • 2683
  • 0

في الوقت الذي كان الأشقاء في تونس يحيون فيه الذكرى الثالثة للإطاحة بالرئيس بن علي والبلاد بلا دستور، تسيرها حكومة انتقالية، كان اشقاؤهم في مصر يتوافدون على الصناديق للتصويت على الدستور الثاني في زمن الثورة، فيما البلد يغرق في دوامة العنف، أما رفاقهم في اليمن فقد ارتدوا إلى أتون الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب، فيما انتقل الثوار في سورية إلى الاقتتال البيني، وارتد ورثة الجماهيرية من ثوار النيتو إلى ما قبل دولة العشيرة.

في الحالات الخمس اكتشف “الثوار” متأخرا أن قطع رأس السلطة لا يكفي لبناء تداول سليم وآمن على السلطة، في بلدان فشلت فيها النخب في بناء الدولة، وسوف يتواصل هذا الفشل ما لم تقتنع النخب المتهافتة على السلطة، أن بناء الدولة يحتاج إلى تسويات واسعة، وإجماع ليس فيه إقصاء على مفردات العيش المشترك، وأدوات تقسيم ريع السلطة والثروة، وتحرير حلم وطني مشترك.

لقد كنا في الجزائر ضحية ذات الخدعة، التي يتعرض لها الأشقاء في تونس ومصر، حين اعتقدنا في التسعينيات: أن إدراج المادة أربعين، المؤسسة للتعددية السياسية، كفيل ببناء دولة تعددية ديموقراطية، فيما لم تكن كافية حتى لتحقيق انتقال السلطة وإخضاعها للتنافس السلمي الآمن.

وقد شهدنا في العقدين، كيف نشأ إجماع بين السلطة والمعارضة على ترحيل الحوار الوطني حول بناء الدولة، برفض مراجعة الدستور، الذي هو موطن بناء الدولة بأدوات الإجماع والتسويات، وكأن الجميع: سلطة ومعارضة، يخشى أن ينتبه العامة إلى موطن الاحتيال الكبير في الدولة الحديثة، استبدادية كانت أم ديموقراطية، حين تتدعي أن المواطن هو مصدر جميع السلطات، وصاحب الكلمة الأولى والأخيرة، وأنه هو المالك الأصلي للدولة والمال العام.

موطن الاحتيال هو في تسويق اعتقاد مضلل، على أن التداول على السلطة انما هو تنافس على السلطة السياسية، ومؤسسات إدارة الشأن العام، فيما هو في الأصل تنافس على مراكز اقتسام المال العام بأدوات السلطة الجبرية والقانونية، أي أن السلطة ليست غاية، بل هي محض وسيلة لتحقيق الغاية الأولى والأخيرة عند جميع الساسة: وضع اليد على بيت المال العام.

ولأجل ذلك، لن تجد رجل سياسة واحد يقبل بفتح نقاش وطني حول بناء الدولة المتوازنة، التي تحمي المال العام من الافتراس والنهب، يتحقق فيها فصل حقيقي بين مؤسسات الدولة الملزمة دستوريا بحراسة المال العام وحريات المواطن، ومؤسسات سلطة إدارة الشأن العام، التي يمكن التنافس عليها والمغالبة فيها.

 

ولكم ان تبحثوا عما قريب، في ما سيعرضه عليكم المرشحون للرئاسيات القادمة، عن جملة واحدة تعد بفتح حوار وطني حقيقي، يستشير المواطنين حول أفضل الصيغ لبناء دولة حديثة بأدوات الإجماع، يضمن فيها الدستور والقانون حماية حقوق الأربعين مليون مساهم في شركة الوطن، على غرار ما يضمنه القانون للمساهمين في أية شركة مساهمة.

مقالات ذات صلة