الرأي

قد نتّفق على أن نتّفق

عمار يزلي
  • 687
  • 2

الجزائر التي لطالما بقيت تطالب بضرورة إصلاح شامل للجامعة العربية، خاصة بعد التحولات الكبرى التي حدثت وتحدث عالميا وإقليميا ومحليا، أساسها الوضع الذي آلت إليه القضية الفلسطينية والتخلي وحالة التشظّي، بل وحتى التجنّي عليها وعلى شعبها في غزة والضفة والشتات، الجزائر تسعى ضمن كل هذه المعوّقات لبعث عنقاء العرب من رماد جامعتها، بل تعمل على بعث العمل العربي المشترك من رميم أجداثها.

منذ البداية، كانت الجزائر ولا زالت تدرك أن تحريك آليات جامعة، أكلت على قوانينها التأسيسية وقواعد عملها دهور التغيرات والتحولات وأفضت إلى تضعضع الوحدة التي قامت عليها الجامعة، و”تناخي” النخوة و”تدافع” الدفاع عن المصالح المشتركة، وقلب هذه المصالح، فلسطين المحتلة. ركنَ من ركن واستكان من استكان، ودُمّر من دمّر، وخُرّب من خرِب، وطبّع من طبّع وبقي القليل من الكثير، من يزال يتوق إلى يوم “يتفق فيه العرب أخيرا على أن يتفقوا”. كانت الجزائر ولا تزال تدرك صعوبة المهمة والرهان، لأن ضعف الجامعة من ضعف الأعضاء ومن تلاشي اللحمة العربية الإسلامية، بل وأحيانا تنافر هذه العناصر المكونة لقوتنا كأمة تجمعها جامعة. غير أن هذا لم يمنع الجزائر، التي تخوض عملية تحوُّل كبرى أن تسعى إلى أن تكون هذه العملية باعثا على صحوة واستفاقة لجميع الشعوب العربي والإفريقية ودول ما كان يُسمى بالعالم الثالث أو دول عدم الانحياز، كون التجربة الجزائرية، كقاطرة تحريك الشعوب استمدتها من تجربتها التحررية، يمكن أن تعطيها هذه الخاصية: الدفع والتحريك لكثير من الدول غير المنحازة، والتي عليها اليوم أن تنحاز إلى بعضها وتتكتل وتجمع شمل شتاتها استعدادا لمواجهة تحولات قادمة قد بدأت، لا يرحم فيها الضعيف المنفرد.

المساعي الدبلوماسية على جميع الأصعدة التي تقوم بها الجزائر في “سراع” مع الوقت، قد تحقّق هذا الحلم، وقد تحقق جزءٌ منه، يمكن البناءُ عليه في المراحل المقبلة، فالترميم يقتضي إعادة البناء التأسيسي بالأساس، وهذا يتطلب وضع أسُس متينة لوضع اللبنة فوق اللبنة. ليس بالضرورة أن تحقق القمة الجزائرية المعجزات، إذ يكفي أن تجمع شمل العرب المشتت، وتجمع الفصائل الفلسطينية على برنامج واحد حتى ولو كانت منطلقاتها متعددة المشارب، فهذا أكبر اختراق قد نحققه في القمة المقبلة بالجزائر.

العراقيل والتشكيك ووضع العصيّ في العجلات بدأت قبل اليوم، وستستمرّ، لأنه لا مصلحة لبعض الأطراف الإقليمية والدولية وحتى بعض الأنظمة العربية الحالية، في توحيد الجزائر للعرب على كلمة سواء، عنوانها فلسطين والقدس. الدبلوماسية الجزائرية وطريقة إدارتها للحوار بين الأشقّاء وبين الفصائل الفلسطينية، أسلوبٌ مميِّز ومعروف، كون الجزائر لم تكن يوما وهي تنسّق الحوار، لتفرض على طرف رأيا أو تحاول أن تطبِّق أجندة خاصة بها. أسلوب إدارة الجزائر للحوار الدبلوماسي بين الأشقاء العرب وبين الفصائل له خصوصية الاستقلالية والمساعدة وتقريب المسافات بين الأطراف، فهو عمل رصّ و”أسْمَنَة” الفراغات، بلا إكراهات ولا توجيه. من هنا، يمكن القول إن هذا الأسلوب قد يطول التحضير له، لأن العمل المتسرع في ظل التشنُّج بين الأعضاء وفي ظل الخلافات القائمة بين أعضاء الجامعة من جهة وبين الفصائل الفلسطينية والسلطة من جهة من شأنه أن يُفسد للودّ قضاياه.

الحديث عن التأجيل كان قد حسمه وزير الخارجية: لا أجل محددا حتى يرحل التاريخ إلى أجل غير محدد، والقمة سيُختار لها تاريخٌ رمزي يجمع بين الرمزية الوطنية المحلية والإقليمية، مما يجعلنا نتصوّر أن القمة قد تحدد ما بين 8 و15 ماي 2022 إن سارت الأمور على النحو الذي نروم، كون هذا التاريخ -في تقديرنا الخاصّ- يجمع بين حدثين كبيرين: أحداث 8 ماي 45، وذكرى نكبة فلسطين 48.

مقالات ذات صلة